تمارين في القيء!
خواء كبير يعشش في صدرك وفراغ يخنقك. شيء ما ينقص حياتك، لا تستطيع الإمساك بماهيته، فتمضي كل أيامك رتيبة مملة يشبه بعضها بعضًا، وتكاد لا تجد لحياتك جدوى.
سائرًا كنت نحو لقاء ثقافي دعيت له دون أن تعرف تفاصيله. في الطريق شعرت بالقنوط من ملابسك البالية وفقدت الرغبة في التواجد وسط أي تجمع بشري. غيرت الطريق قاصدًا الكورنيش.. بالأحرى مكتبة بجانب الكورنيش.
تستفزك المؤخرات الرجراجة، الأكتاف العارية، والتنورات المنحسرات عن الأفخاذ. لم كل هذا العري؟ تدرك جيدًا أنه ليست كل من تعرت فهي فاجرة، بل ربما تجد من بينهن من هي خير ممن تعففت بخيمة سوداء متحركة. لكنك مع ذلك تحتفظ مندهشًا بالسؤال: لم كل هذا العري؟ هل هي الغواية الشيطانية المتأصلة في المرأة؟ لن تعرف الجواب أبدًا، إلا إذا تفضلت إحداهن بإجابتك.
هل يمكن للجنس أن يملأ الفراغ الذي يجتاحك؟ تفكر بأن إرتكاب خطيئة الزنا في هذا العصر صارت أيسر وأضمن عاقبة من الزواج! يستفزك هذا العري المتحرك، تسكنك الرغبة لحظات ثم تنفضها عنك. الجنس لن يخلصك من الخواء الذي يسكنك. أنت في حاجة إلى الحب. تحتاج إلى من يحبك، وإلى من تحب. فكيف السبيل إلى ذلك؟
لست راضيًا عن نفسك، هذا واضح بكل تأكيد. ربما هذا هو أساس الخواء الذي عشقك. عليك أن تتمرد، أن تنفض عنك حياءك وجبنك، عليك أن تعيش الحياة.. لا أن تكتب عن الحياة.
كفاك من هذا الاستسلام. قاوم، تمرد، قاتل.. وكن أنت كما تريد أن تكون لا كما يريدونك أن تكون.
* * *
من أنا؟ أنا هو أنا ولديّ أسبابي، وليس لدي ما يجعلني ممتنا لك أو لغيرك. كل طموحي أن أبقى وحدي سليما وأن يذهب العالم كـ (Package) إلى الجحيم. أنا من بصق الآخرون نحو وجهي ألف مرة حتى بدأ ذلك الشعور القذر الطيب ينمو ويتراكم في صدري الضيق..
والآن أخبرني.. أجربت أن تكسر إشارة حمراء أمام لجنة مرور مثقلة بالرتب دون أن تكون (مش عارف أنا مين؟) أو رئيس دولة ما؟ أتبصق في كوب الشاي كلما قدموه لك كي لا يشرب منه سواك؟ (…)
الآن. أصرخ في وجه لجنة المرور. وأبيك. وأصدقاء المقهى العابرين. وأقربائك الذين لا تعرفهم: توقفوا عن تقييمي. تقبلوني كما أنا، لا كما تريدون لي أن أكون.
ما هو الجنون؟ لا يهم.
[أحمد العايدي، رواية (أن تكون عباس العبد)]

