حوار مع المدون هيثم صباح

السبت 28 أكتوبر 2006 | القسم: فضاء التدوين | الردود: 9 »

حوار مع المدون هيثم صباح، لا حاجة لأي تقديم. فقط سأقول: الحوار قيم جدًا.

هيثم صباح

أولا، أشكرك أستاذ هيثم على قبولك إجراء الحوار، وأرجو منك التعريف بنفسك وبمدونتك.

هيثم صباح، 37 عام، أردني من أصل فلسطيني. أحمل شهادة الهندسة الإلكترونية والاتصالات، أقيم وأعمل في مملكة البحرين كمدير في إحدى شركات الاتصالات.

بدأت التدوين منذ ما يزيد عن ستة سنوات وكانت في ذلك الوقت بدافع تجربة الجديد في عالم الشبكة العنكبوتية. مع الوقت، تدرجت مواضيعي من الكتابة عن بعض العلوم والإبتكارات حتى تحولت وتركزت في الثلاث الأعوام الأخيرة إلى السياسة وحقوق الإنسان في العالم العربي بشكل خاص، والحروب الدامية التي تمر بها منطقتنا العربية وبالأخص فلسطين والعراق ولبنان وما يدور من أحداث مهمة في الشارع العربي مثل القضايا الدينية والفكرية، إلخ.

لم اخترت التدوين باللغة الانجليزية؟

في البداية كان السبب شخصيا، وهو تقوية اللغة، لكن مع مرور الوقت، أصبحت اللغة الأنجليزية هي الأداة الأنسب بسبب طبيعة المواضيع التي أكتب عنها، وبسبب أنها موجه للغرب بالأخص، كان لا بد من إختيار لغة يكثر متحدثيها، لذلك انتظمت بالكتابة بالإنجليزية. لكن ذلك لم يمنع من كتابتي بالعربية في مناسبات معينة وخصوصا عندما لا يكون الموضوع موجة للغرب بل للعرب. فمثلا عندما أكتب في مواضيع سياسية أو عن الحروب، فهدفي هو توضيح أو تصحيح أو إسماع القارئ الغربي ما لا يسمعه أو يشاهده أو يقراه في وسائل إعلامه بسبب عدم حيادية الإعلام الغربي أو تجاهله أو جهله بما يدور في العالم العربي. بينما عندما أكتب باللغة العربية، ففي الغالب هو نقد ذاتي لحدث أو ممارسات عربية أشعر بالخجل من إطلاع الغرب عنها أو لا يكون من علمهم فائدة، بينما يكون الصوت العربي هو الهدف.

ما تعريفك للمدونة؟

المدونة برأي هي الوسيلة الأسهل والأسرع للتواصل بين نبض الشارع والإعلام والساسة. البعض يعتبرها مذكرات شخصية، ولكن برأيي، إن لم يكن للمذكرات تأثير في القارئ، فهي ليست سوى ثرثرة على الشبكة ومضيعة للوقت.

منذ عصور، لم تتح للبشرية وسيلة بهذه السهولة تمكن أي شخص من إبداء الرأي ونقل الأحداث كما يراها هو، بدون أي تأثير خارجي، وبدون خضوعها لمقص الرقيب. وبالتالي، فالمدونة هي صحافة المواطن، بكل ما لكلمة صحافة من مغزي وأهداف.

يظهر من أرشيف مدونتك أنك بدأت التدوين سنة 1999. كيف تعرفت على التدوين وكيف كانت بدايتك؟ وكيف تنظر إلى النمو المطرد لفضاء التدوين منذ سنة 1999 إلى حدود هذه السنة؟

كما أسلفت الذكر، كانت البداية بدافع تجربة الجديد، وللأسف فقدت نسبة كبيرة من الأرشيف بين عام 1999 وعام 2003 في أحد مراحل نقل الأرشيف من برنامج تدوين للآخر، لكن لازلت احتفظ بنسخة من بعضه وسوف أنشره إنشاء الله عندما يتاح لي الوقت.

لو كان الأرشيف مكتملا لكان لاحظ القارئ تدرج مواضيعي من العلوم والتكنولوجيا للسياسة وغيره بسبب بداية مدونات غربية في الكتابة والنشر عن مواضيع تخص العالم العربي، وبالأخص فيما يتعلق بالعراق وفلسطين، ولما لاحظته من جهل أغلب هذه المدونات بتاريخ الصراعات، وإنحيازها وإنحرافها عن حقائق يعلمها القاصي والداني في العالم العربي بينما يجهلها الغرب. في تلك المرحلة ومنذ عام 2003 بدأت أيضا الوسائل الإعلامية الغربية بالاهتمام بمدونات الغرب لأنها بدأت تستقطب المواطن الغربي الذي يستقي معلوماته وأخبار العالم من الشبكة العنكبوتية لأسباب عديدة لا مجال لذكرها هنا، ولكن ما أقلقني أن عدد المدونات ذات الأصل العربي والتي تتحدث باللغة الأنجليزية وتكتب “أحيانا” عن ما يدور في الساحة العربية، كانت تعد على أصابع اليد الواحدة. لذلك، شعرت أنه من الواجب أن أدلوا بدلوي في هذا المجال، لعل وعسي أن تصل كلماتي للقليل من المواطنين الغربيين، والحمدلله، بعد أعوام ثلاث من تلك النقطة، أستطيع أن أقول أن مدونتي وصلت لمرحلة يتجاوز فيها القراء الغربيين أكثر من 90 بالمئة.

أما بالنسبة لتطور التدوين، فلا شك أن ما هو متاح الآن يعد قفزة نوعية من جميع النواحي العملية والتكنولوجية بحيث أصبحت المدونات متاحة حتي من خلال الهواتف النقالة وغيرها من الأجهزة المتوفرة في أيادي الغالبية العظمى من الشعوب، حتى تلك ذات الدخل المتواضع. فبعد المدونات النصية، الأن أصبحت المدونات مدعمة بقدرات بصرية وسمعية للنشر والمطالعة.

في بدايات عام 1999 كان عدد المدونات لا يتجاوز الألف أو بعض ذلك، لكن اليوم فعدد المدونات بالملايين وبإزدياد مطرد لا يمكن اللحاق به.

المؤسف في الموضوع هنا أن عدد المدونات العربية لم يزداد بالكم والنوع المرجو منه، ولكن مع أن عدد المدونات العربية سواء المكتوبة بالعربية أو الانجليزية قد ازداد ليصبح بعشرات الآلاف، إلا أن ذلك لا يشفع لها سواء بالكم أو النوع بالمقارنة مع أجزاء أخرى من العالم.

من خلال متابعاتك للمدونات العربية أيها تجدها أفضل وأكثر جدية؛ المدونات المكتوبة باللغة العربية أم المكتوبة بالانجليزية؟

أنا شخصيا لا أستطيع الحكم في ذلك بالتعميم، ولكن برأي أن المدونات المكتوبة بالعربية هي في الغالب نقد ذاتي، وإن كانت موجهة للحكومات المحلية، لكنها ليست مؤثرة بالشكل المطلوب بسبب سلطة الدولة والقانون وتجاهل الإعلام المحلي لها، إلا ما يعد على الأصابع.

في المقابل، نجحت كثير من المدونات المكتوبة بالإنجليزية بالوصول إلي عناوين الأخبار على صفحات الجرائد العالمية ومحطات التلفاز والإذاعة الغربية.

بالطبع، أنا لا أضع كل اللوم على المدونات المكتوبة بالعربية، ولكن اللوم الأكبر يقع على وسائل الإعلام العربية المحلية، وذلك بسبب جهلها أو تجاهلها المقصود وغير المقصود للمدونات وما يدور فيها.

بجانب كل ذلك، فإن المدونون العرب بشكل عام يفتقدون لوسائل الدعم المادية المباشرة أو غير المباشرة التي تمكنهم من إمتهان التدوين وإحترافه كما في الغرب. كما يفتقر العالم العربي لوسائل التدريب والتطوير المتصلة بالتدوين كوسيلة.

ما الدافع إلى إنشاء المدونات؟ وما هي أهمية المدونات؟

الدافع الرئيسي للتدوين هو نشر ما لا يمكن قرائته أو سماعه أو مشاهدته في الوسائل التقليدية، مثل التلفاز. من هنا تنبع أهمية المدونات على أنها الوسيلة الأسرع والأسهل واللأئمن لنشر المواضيع، خصوصا تلك التي تمنع من النشر في الوسائل التقليدية بسبب العادات والتقاليد أو بسبب القوانين والأنظمة التي تمنع نشر كل ما لا يعجبها أو يمثل كشفا للمستور عن بعض الممارسات الخاطئة المتوارثة أو المكتسبة.

هل يمكن للمدونات العربية أن تصير قوة مؤثرة في صناع القرار (داخليا وخارجيا)؟

في الوقت الحاضر، أجد ذلك أبعد عن الوصول، لكن ذلك غير مستحيل. هناك عوامل عديدة تحكم علي مصير ومستقبل العلاقة بين المدونات العربية وصناع القرار. أول هذه الأمور هي ضمان حرية التعبير لكل مواطن، وهذا ما لا أراه قريب الحدوث في العالم العربي. ففي غياب حرية التعبير، كيف يستطيع المواطن أن يكون مؤثرا في صناعة القرار؟

ولكن الأهم من هذا هو أن نتعلم كيف نعبر عن رأينا، وهذا شئ مفقود إبتداء بمناهج التعليم، وإنتهاء بالعادات والتقاليد التي تحكم مجتمعاتنا وتقيد ما يسمح بالكلام فيه وما يحرم، ناهيك عن التقليد الأعمي لما هو غربي بين أجيال من العرب التي تاهت بين مشاكل الحاضر والموروثات التاريخية المليئة بالأحقاد والتي لا زالت تسيطر على عقول الكثير من فئات مجتمعاتنا.

باختصار، إن كان للمدونات دور مستقبلي في صناعة القرار فإنه سيكون محدودا جدا.

إلى أي حد تحضر السياسة في المدونات العربية؟

قليل، وأرجوا أن يكون أكثر. إن ما يؤسف عليه أن المدونات لم تجد طريقها لبعض الدول العربية حتى اليوم. وحتى الموجود منها في بعض الدول، لا يعدوا بداية متواضعة جدا من حيث المضمون، فأين منها السياسة؟

إذا أخذنا بعين الإعتبار عدد المدونات في العالم العربي وأحصينا من يكتب منها في السياسة، فهو قليل جدا. وإذا وضعنا هذا العدد القليل في مواجهة المدونات السياسية الغربية، سنجد أنه عدد أقل من أن يذكر أو يلحظه أحد.

إن السياسة في المدونات العربية هو بمثابة “الجذام”، يبتعد عنه الغالب بسبب يأس المدونين من التأثير والتغير في هذا المجال، وبالأخص لما هو موجه للداخل وليس للغرب، لذلك لا ألومهم.

ما رأيك في محتوى المدونات العربية؟ هل هناك اهتمام عربي بوسيلة النشر هذه؟ ما تقديرك لعدد المدونات العربية الآن؟

المحتويات في المدونات العربية لا تختلف عن مثيلاتها في العالم، لكن في الغالب يكثر فيها الخاص، وهذه ليست ميزة، ولكن بداية متوقعة وإن كانت بطيئة في النمو. ولكن مع ذلك، لا تخلوا المدونات العربية من كل ما هو جيد ومفيد.

أما عن عدد المدونات، فهذا سؤال لا أعتقد أن أحدا بإستطاعته الإجابة عنه بتحديد دقيق، لكن بتوقعات مبنية على التزايد المطرد، فإني أقدر العدد بأقل من مئة ألف مدونة بين مكتوب بالعربية والإنجليزية.

على مستوى دول العالم بدأت المدونات تشكل ملامح إعلام جديد يحقق السبق على أكثر من مستوى أمام وسائل الإعلام الاعتيادية. هل يمكن الحديث عن خطر قد تشكله المدونات مستقبلا على الصحافة بمعناها الذي نعرفه الآن؟

لا أعتقد أنها تشكل خطرا، بل عل العكس، أراها تكمل الحلقة المفقودة في وسائل الإعلام وهي إيصال صوت المواطن.

لقد بدأت وسائل الإعلام العالمية بالإهتمام بالمدونيين والمدونات كوسيلة للتحقق من الخبر وكمصدر للأخبار. بل إن أغلب الوسائل الإعلامية إستفادت من تطور المدونات بإصدار مدوناتها الخاص التي تتيح لها التواصل مع قرائها ومشاهديها وفي نفس الوقت تحقيق أرباحها، إن لم يكن أكثر.

لذلك، فإن التعاون بين المدونات ووسائل الإعلام أصبح غاية ووسيلة في نفس الوقت، يستفيد منه الطرفان في صناعة الخبر ونشره.

مؤسسة الجزيرة الإعلامية قامت مؤخرًا برعاية إنشاء تجمع وصف بالرابطة وسمي بـ “مدونون بلا حدود”. ما تعليقك؟ هل ترى أن المدونين العرب بحاجة إلى مثل هذه التجمعات؟ بأي شكل يمكن لهذه الرابطة أن تدعم التدوين العربي؟ ألا يمكن أن توفر هذه الرابطة غطاءً تمارس من خلاله “الجزيرة” وصايةً ما على المدونات العربية؟

نعم، المدونيين العرب بحاجة للتجمعات، ولكن المدروس والهادف منها. مع كل إحترامي لوؤسسة الجزيرة، ولكن بصفتي أحد الأشخاص الذين حضروا الإجتماع التحضيري لهذا المشروع، فإنني وبكل أسف لم أجد أي خبرة أو تصور واضح لما يود الفريق المؤسس على القيام به. لذلك، فإنني أشك أن يكون للجزيرة أي وصاية على المدونات العربية، أو على الأقل، ليس قبل أن تعتمد المؤسسة الرئيسية للجزيرة المدونات والمدونين كإحدى وسائلها الإعلامية.

في مقابل ذلك، فإنني سأدعم أي مشروع عربي سواء كان إعلاميا أو غير إعلامي، يؤسس ويهدف لتطوير التدوين في العالم العربي.

ما نصائحك للمدون الذي يخطو خطواته الأولى في هذا المجال؟

سؤال صعب، والإجابة أصعب.

نصيحتي للمدونين الجدد أن يهتموا أولا بالمضمون قبل الوسائل. لقد تابعت تطور العديد من المدونات منذ بداياتها، وقد لاحظت أن ما نجح منها وواصل على النجاح هو ما اعتمد المضمون وتحرى المسؤولية في ما يكتب، وليس ما يبهر الإبصار أو يسر الناظر.

إن المدونات الناجحة هي من تحافظ على قرائها وتزيدهم يوما بعد يوم، وليست من تستقطب المشاهدين لصورة فاضحة أو خبر شخصي.

لدينا الكلمات التالية: السياسة. الحرية الفردية. الإصلاح. العالم العربي. لو استخدمتها في فقرة واحدة، ماذا ستقول؟

إن العالم العربي يغط في صراعات سياسية أزلية، سواء كانت داخلية أو خارجية، تهان فيها الحريات الفردية بشكل عام بسبب موروثات حضارية وتاريخية يلعب فيها الفرد دور الدب النائم. لذلك، فإن الإصلاح لا يبدأ إلا من الفرد المتعلم المسؤول والذي يجب أن لا يتوقف عن تطوير وسائله في التواصل مع الأفراد والمؤسسات بصورة حضارية.

كلمة أخيرة؟

ليس للحديث نهاية، ولكن، أرجو أن تتطور المدونات العربية كما ونوعا بسرعة أكثر حتى تصبح في يوم قريب ذات تأثير فعال في تطور أحداث العالم.

سلطة التدوين!

الأثنين 25 سبتمبر 2006 | القسم: فضاء التدوين | الردود: 3 »

ملخص: يتحدث الموضوع عن تعريف التدوين والمدونات ومدى تأثير محتوى المدونات على صناع القرار في العالم الغربي.

يوم الخميس سادس أبريل 2006 أقال وزير الشؤون الاقتصادية والعامة كاتبه العام (لحسن بلكورة) من منصبه بسبب رحلة إلى نيوزلاندا كلفت الوزارة أزيد من عشرة ملايين سنتيم، والفضل يعود إلى المدون رشيد جنكاري الذي نشر في مدونته ما يكشف هذا التبذير.

* * *

(1)

ما بدأ في تسعينات القرن الماضي كهواية يتحول الآن إلى وسيلة جديدة تغير طريقة عمل الصحفيين، وسلطة إعلامية تؤثر على صناع القرار: إنها المدونات (Weblogs)!

ظهر الاصطلاح WebLog لأول مرة أواخر سنة 1997، ثم ظهر الاختصار Blog بعد ذلك بسنتين. لكن هذا النوع من مواقع الانترنت ظهر قبل ذلك بسنوات، وبالضبط في شهر ماي من العام 1994. وحسب إحصائيات شهر أغسطس الماضي فقد تجاوز عدد المدونات حول العالم 50 مليون مدونة!

الـ WebLog يعني حرفيًا “سجلات الشبكة”؛ ويقصد بها: دفتر يوميات إلكتروني. وقد تم الاتفاق عربيًا على “مدونة” كتعريب لـ Weblog (أو Blog)، و”تدوين” تعريبًا لـ Blogging.

المدونات هي مواقع على شبكة الانترنت تتميز بسهولة إعدادها وصيانتها وتحيينها، وقد ظهرت في البداية كدفتر يوميات شخصي يكتب فيها المراهقون اهتماماتهم وتفاصيل حياتهم، ثم تطورت لتصبح وسيلة للتعبير عن الآراء والحوار حول قضايا مشتركة، ثم جاءت حرب الخليج الثالثة لتخرج هذه المدونات إلى الأضواء ليعرف بذلك فعل التدوين طفرة نوعية في أكثر من منطقة من العالم. حيث تطورت مواضيع المدونات وفرضت نفسها كنمط جديد من الصحافة الالكترونية، ولعل قوتها الأساسية هي أنها تمثل صوت “رجل الشارع” دون أي رتوشات إيديولوجية أو رقابة مؤسساتية. فالمدونات وسيط مفتوح لنشر الآراء من جميع الاتجاهات، كما أنها بآنيتها وسرعة مقاربتها للأحداث تكاد تسحب البساط من تحت الصحافة التقليدية، خاصة في الدول ذات الحيز الضيق من حريات التعبير، والاحتكار شبه الكلي للإعلام من طرف السلطة.

(2)

كان لدى خوان كول، أستاذ التاريخ، الكثير ليقوله حول الإرهاب والحرب على العراق، لكن القليل من كان يصغي إليه، ولم يستطع نشر مقالاته في الصحف، لكنه حين أنشأ مدونته حصل على 250 ألف قارئ شهريًا، وبدأ في الظهور في وسائل الإعلام، بل وشهد أمام لجنة مجلس الشيوخ للعلاقات الخارجية؛ يقول: “نتيجة لتدويناتي، دعتني مجلة ميدل إيست جورنال للمساهمة في عدد خريف 2003. وعندما أجرى موظفو لجنة مجلس الشيوخ للعلاقات الخارجية بحثا بين المنشورات عن مقتدى الصدر وحركته، لم يظهر سوى مقالي. وقد قرأه موظفو مجلس الشيوخ وبعض الأعضاء وكانوا متشوقين لمعرفة آرائي حول الوضع”. هذا التحول لـ خوان كول إلى خبير ومفكر معروف يعزز التأثير المذهل لعالم المدونات.

شهر سبتمبر 2004 نشرت شبكة CBS الإخبارية تقريرًا لكبير مذيعيها (دان راذر)، حول وثائق ذات صلة بخدمة الرئيس بوش العسكرية. صاحب مدونة PowerLine بدت له تلك الوثائق مزورة فكتب عن ذلك في مدونته، وفي غضون ساعات توصل من أحد القراء بوثائق أصلية صادرة عن الحرس الوطني فقام بنشرها فورًا في مدونته، ثم سريعًا سيشير أكثر من 500 موقع آخر إلى مدونة PowerLine، وسيبدأ الحديث عن هذه المدونة في الإعلام الأمريكي وسينسب لها الفضل في كشف خطأ تقرير الـ CBS.

هذا مثال جيد على قوة المدونات، وهناك من يعتبر هذه الحادثة بداية النضج للمدونات الأمريكية.

قوة المدونات أيضًا تبرز في مواصلتها متابعة الأحداث والتطورات حتى بعد أن تتحول عنها وسائل الإعلام التقليدية إلى أحداث جديدة، وكتاب المدونات في الولايات المتحدة صاروا قوة إعلامية ومؤثرين في القرارات بشكل متزايد.

في دجنبر 2002 اضطر ترينت لوت، قائد حزب الأغلبية في مجلس الشيوخ الأمريكي، إلى الاستقالة من منصبه، بسبب تعليقات قالها ذات احتفال. وسائل الإعلام لم تهتم، لكن تلك التعليقات لم تمر بسلام بالنسبة للمدونين، فتحولت غلطة ترينت لوت إلى فضيحة تامة.

(3)

الامتياز الآخر للمدونات برز خلال تسونامي جنوب شرق آسيا، حيث سبق كتاب المدونات هناك الصحافة بتغطية الكارثة، وغطوا بالتفصيل كلمة وصورة الدمار الحاصل، حتى أن كبريات قنوات التلفزة قامت بالنقل عن هذه المدونات. أيضًا قامت هذه المدونات بالحض والتحفيز على التبرع، حتى أن هذا الحماس دفع الحكومة البريطانية إلى الرفع من قيمة تبرعها بعد أن فاق تبرع البريطانيون ما كنت تعتزم تقديمه.

أيضًا نفس الامتياز حققته المدونات خلال إعصار كاترينا المدمر الذي ضرب الولايات المتحدة الأمريكية.

(4)

عربيًا ما يزال تأثير المدونات محدودًا، فباستثناء المدونات المصرية التي برزت تعبئتها مع الانتخابات الرئاسية الماضية وظهور حركة “كفاية” الشعبية ثم التغطية المتميزة للمجزرة التي ارتكبها النظام المصري في حق اللاجئين السودانيين، يبقى تأثير المدونات العربية منعدما. وأما المدونات المغربية فما يزال عددها أقل من أن تشكل حركة يعتد بصوتها، لكن السبق الذي حققته مؤخرًا مدونة رشيد جنكاري قد يكون النقلة التي تنتظرها المدونات المغربية لتعلن عن نفسها ولتصبح قوة إعلامية متميزة، خاصة مع اقتراب الانتخابات التشريعية.

(5)

خلال الأسبوع الأخير من مارس 2006 نظمت منظمة ICCAN اجتماعها الأخير بنيوزيلاندا، وقد مثل فيه المغرب السيد حسن بلكورة الكتاب العام في وزارة الشؤون الاقتصادية والعامة. على عكس باقي الوفود التي قامت برحلتها عبر ماليزيا، قام الممثل المغربي برحلة ماراطونية عبر باريس ولوس أنجلس، وهو ما كلف الوزارة أزيد من 130 ألف درهم –وهو مبلغ أكثر بكثير مما تكلفه رحلة مثل هذه.

المدون رشيد جنكاري، الصحفي التقني بشركة casanet المشرفة على البوابة الإخبارية Menara.ma والمملوكة لشركة اتصالات المغرب، قام بنشر الفاتورة التي تفضح هذا التبذير في مدونته، فجاء رد الفعل غير متوقع بالمرة: مدير رشيد في العمل يرغمه على سحب ذاك الموضوع من المدونة مع تهديده بالفصل من العمل. رغم أنه لا علاقة مطلقًا بين الشركة والوزارة، وحتى المدونة مستقلة تمامًا عن الشركة!

مجتمع المدونين المغاربة تحرك بسرعة متضامنا مع رشيد، فقامت أكثر من مدونة بإعادة نشر ذاك الموضوع، ووصل الحماس إلى الصحافة المكتوبة التي تحدثت عن الموضوع. النتيجة: إعلان مدير رشيد عن بقاء رشيد في عمله، وإعلان وزير الشؤون الاقتصادية والعامة عن إقالة كاتبه العام حسن بلكورة.

رغم أن رشيد اضطر إلى سحب الموضوع من مدونته، خوفًا على مصدر دخله الوحيد، إلا أن تدخل باقي المدونين جاء بالسرعة الكافية، ليقول بأن المدونات المغربية بدأت رحلتها نحو النضج، وقريبًا سوف تأخذ مكانها كمصدر مؤثر في صناعة القرار.