هل الإسلام متسامح مع الأديان الأخرى؟

الخميس 26 أكتوبر 2006 | القسم: تحليلات وآراء | الردود: 7 »

فعلا الإسلام دين يدعو إلى التسامح مع الآخر والحوار معه واحترامه. لكن أي إسلام هذا الذي نتحدث عنه؟ هل ما ندين به الآن هو الإسلام كما أتى به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم؟ صحيح أن المصدر التشريعي الأول للإسلام لم يتعرض للتحريف كما حصل مع العهدين الأولين، إلا أن المسلمون أنفسهم تعرضوا للانحراف!

فلأغير صيغة العنوان، طلبًا للدقة: هل المسلمون متسامحون مع الديانات الأخرى؟

لن أذهب بعيدًا في التاريخ بحثًا عن أمثلة؛ قبل أسابيع قام بابا الكاثوليك بإساءة ضمنية للإسلام في محاضرة له. النتيجة كانت، بجانب حالات الاستنكار والاستنفار، قيام مسلمين في فلسطين بحرق كنائس مسيحية (هي في الأصل غير كاثوليكية). السؤال: لو أن أولئك يحترمون المسيحية كدين آخر، هل كانوا سيتطاولون على مكان عبادة المسيحيين؟ كذلك حدث السنة الماضية (ويحدث منذ سنوات) في مصر، بخصوص حالة العداء التي تنفجر لأي سبب بين المسلمين والأقباط، من قتل ونهب وإحراق، هل يدل في شيء على احترام المسلمين للآخر؟ وغير هذه الحالات كثير، وأصحاب الذاكرة القوية (أو الأرشيف المنظم) يذكرون الكثير منها.

نعم الاسلام يطالب باحترام المسيحيين وحتى اليهود، لكن المسلمين بعيدون عن هذا الامتثال. فلماذا إذن نطالب الآخرين باحترامنا ونحن لا نحترمهم؟

إننا حتى لا نحترم أنفسنا، وديننا، وفي نفس الوقت نرغي ونزبد حين يعلن الآخر عن استهزائه بالإسلام. الحقيقة أن المسلمين أكثر من يستهزئ بالاسلام في العالم. فحين يقول أحد بأنه مسلم، وهو لا يقوم بأي ركن من أركان الإسلام فذاك استهزاء. حين يقول أحد بأنه مسلم وهو ينتهك عرض النساء وسط الشارع فذاك استهزاء بالاسلام. حين يقول أحدهم بأنه مسلم، وهو بين صلاة وأخرى يتجرع قناني الخمر ويتقوى على الضعيف ظلما فذاك استهزاء بالاسلام.

عن أي إسلام، إذن، يتحدث هؤلاء؟!

نص محاضرة البابا بنديكت

الخميس 21 سبتمبر 2006 | القسم: منوعات وخواطر | الردود: 14 »

نص المحاضرة التي ألقاها البابا بنديكت السادس عشر بجامعة بون يوم الثلاثاء 12/9/2006. وقد اختصرت المقدمة وبعض التفاصيل بداخلها وفي الخاتمة لعدم تعلقها بالموضوع؛ وفيها يروي البابا بدء علاقته بجامعة بون (ألمانيا) عام 1959 أستاذا للاهوت الكاثوليكي. وفي الجامعة المذكورة كليتان إحداهما للاهوت الكاثوليكي والأخرى للاهوت البروتستانتي. وقد انشغل البابا في التمهيد للمحاضرة بالعلاقة مع الزملاء البروتستانت في ذلك الزمان.

المصدر: جريدة المستقبل اللبنانية، العدد 2388، (النسخة الالكترونية: Page19.pdf)

“إن اللقاء بين الإيمان الإنجيلي والفلسفة الإغريقية كان على قدر كبير من الأهمية ليس من جهة موقف تاريخ الأديان، بل ومن جهة التاريخ العالمي”.

* * *

… تذكرت ذلك العهد (بالتدريس والنقاش) بين الزملاء قبل فترة، عندما كنت أقرأ نشرة البروفسور (عادل) تيودور خوري (من جامعة مونستر) لقسم من حوار (ربما جرى عام 1391 في الثكنات العسكرية الشتوية على مقربة من أنقرة) بين الإمبراطور (البيزنطي) العالم مانويل الثاني باليولوغوس، ومثقف فارسي (مسلم) في موضوع المسيحية والإسلام، والحقيقة المتضمنة في كل منهما. وربما كان الإمبراطور نفسه هو الذي سجل ذلك الحوار خلال حصار القسطنطينية بين العامين 1394 و1402، وهذا ربما يعلل سبب ذكر حججه بالتفصيل، دونما اهتمام لافت بإجابات العالم الفارسي. والحوار يتوسع إلى ما وراء حدود البنى العقدية في الإنجيل والقرآن، ليركز بخاصة على صورة الله والإنسان، راجعا عندما يكون ذلك ضروريا، إلى العلائق بين “الشرائع الثلاث”: العهد القديم والعهد الجديد والقرآن.

في هذه المحاضرة أريد أن أناقش نقطة واحدة ـ ربما كانت هامشية في الحوار المذكور نفسه ـ هي سياقات علاقة “الإيمان والعقل” وقد وجدت أنه من الممكن أن يكون ذلك السياق الحواري مفيدا في تأملاتي حول المسألة.

في المحادثة السابعة (من الجدال…) والتي نشرها البروفسور خوري، يعالج الإمبراطور موضوع الجهاد (الحرب المقدسة). ومن المؤكد أن الإمبراطور كان يعرف الآية القرآنية (2:256) والتي تقرر أنه “لا إكراه في الدين”. وسورة البقرة هذه إحدى السور القرآنية المبكرة، عندما كان (النبي) محمد ما يزال بدون قوة ونفوذ، وواقعا تحت التهديد، لكن من الطبيعي أن يكون الإمبراطور عارفا بالتعاليم الإسلامية التي تطورت فيما بعد وسجلها القرآن، بشأن الحرب… وبدون مقدمات تفصيلية حول الفروق في التعامل مع “أهل الكتاب” والآخرين “المشركين”، يلتفت الإمبراطور إلى محاوره بشكل مفاجئ وقاس طارحا السؤال الأساسي في العلاقة بين الدين والعنف بشكل عام؛ يقول الإمبراطور: “أرني ما هو الجديد الذي أتى به محمد، وسوف تجد أشياء كلها شريرة وغير إنسانية، من مثل أمره بنشر الدين بالسيف”.

ثم يمضي الإمبراطور شارحا بالتفصيل الأسباب التي تجعل من نشر الإيمان بالعنف تصرفا غير عقلاني، لا يتفق العنف مع الطبيعة الإلهية، ولا مع طبيعة الروح: “لا يحب الله سفك الدم، والتصرف غير العقلاني مُناقض لطبيعة الله”. فالإيمان يبزغ من الروح وليس من الجسد، بيد أن الذين يريدون نشر الإيمان، “يحتاجون إلى قدرة على الحديث الجيد، والتأمل بعقل، وبدون عنف وتهديدات… ومن أجل إقناع روح عاقلة، لا يحتاج المرء إلى ذراع قوية، ولا إلى سلاح من أي نوع، كما لا يحتاج إلى تهديد أي شخص بالموت…”.

إن الحجة البارزة في هذا الجدال ضد الإرغام على الإيمان أن الداعية الذي يتصرف بخلاف العقل، إنما يتصرف بخلاف طبيعة الله. ويلاحظ البروفسور خوري معلقا: بالنسبة للإمبراطور البيزنطي ذي الثقافة الفلسفية الإغريقية؛ فإن هذا الأمر بديهي. أما في تعاليم الإسلام فإن الله سبحانه متعال علوا مطلقا، كما أن إرادته ليست مقيدة أو متعلقة بأي مبدأ آخر بما في ذلك مقاييس العقل نفسه. وهنا عاد خوري للاقتباس من دارس فرنسي معروف للإسلاميات هو روجيه أرنالديز ذكر عن ابن حزم (الأندلسي) أن الأخير ذهب بعيدا في (تنزيه) الله إلى حدود القول إن الله سبحانه ليس مقيدا حتى بكلمته (أي بوعده ووعيده)، وليس هناك ما يوجب عليه حتى إنزال الوحي وإرسال النبيين، وهو عز وجل إن شاء، وبمقتضى هذا الفهم، فقد تكون عبادة الأوثان داخلة ضمن المشيئة الإلهية.

إن التحدي الذي واجه اللاهوتيين القدامى، وهو ما يزال يواجهنا حتى اليوم: هل الاعتقاد بأن العمل غير العقلاني يناقض طبيعة الله هو مجرد فكرة إغريقية أو أنها حقا وواقعا صحيحة دائما، وأنا أرى أنه في هذه المسألة بالذات يمكن الوصول إلى وجود تناغم بين القناعة الإغريقية والفهم الإنجيلي للإيمان بالله. وإذا عدنا إلى الجملة الأولى في سفر التكوين بحسب يوحنا نجد (في البدء كانت الكلمة “اللوغوس”، وكان الكلمة الله): فالله يعمل باللوغوس واللوغوس يعني العقل والكلمة.. وهو العقل القادر على التواصل، التواصل بذاته باعتباره عقلا. وهكذا فان يوحنا قال القول النهائي في الفهم الإنجيلي لله، وفي هذه المقولة تتلاقى كل خيوط وخطوط الإيمان الإنجيلي.

يقول يوحنا الرسول أنه في البدء كان اللوغوس، واللوغوس هو الله، وهذا اللقاء بين الرسالة الإنجيلية والفكر الإغريقي ما حدث بالمصادفة. ففي رؤيا بولس الرسول بعد أن وجد طرق آسيا مسدودة، أن إنسانا مقدونيا أتاه في المنام وقال له: “تعال إلى مقدونيا وساعدنا”! وقد عنت تلك الرؤيا أن هناك ضرورة للتقارب بين الإيمان الإنجيلي والتساؤل الإغريقي. وفي الواقع فإن ذلك التقارب كان جاريا منذ بعض الوقت، فاسم الله، الذي تجلى من شجرة العليق المشتعلة، يفترق عن سائر التأليهات الأخرى مهما اختلفت أساميها. إنه هو، هكذا ببساطة.

وهذا تحد لمصطلح الميث (الأسطورة) الذي حاول سقراط اختراقه، والتسامي فوقه في قياس مقارب. وفي العهد القديم اكتملت العملية التي بدأت في العليقة المشتعلة، خلال السبي، الذي عنى تجردا عن الأرض والمعبودات، حيث هو الله رب السموات والأرض: أنا الله، وهذا الفهم الجديد الخالص لله ترافق مع قدر من التنوير، الذي وجد تعبيره الخاص والقوي بالتبرؤ من الآلهة الأخرى، التي هي من صناعة البشر… وقد حدث بذلك التلاقي النهائي بين إله الإنجيل، والفكر الإغريقي الراقي؛ فكان ذلك الإثراء المتبادل في أدب الحكمة المتأخر…

(ويفضل البابا هنا في حيثيات اللقاء بل والتطابق في الترجمة الإسكندرانية للعهد القديم إلى الإغريقية).. وصولا للإمبراطور مانويل الثاني وجدلياته، والذي صار قادرا على القول: إن لم تعمل بحسب “اللوغوس” فإن ذلك مخالف لطبيعة الله (عز وجل).

إن الذي أريد تقريره بكل أمانة هنا أننا نجد اتجاهات في لاهوت العصور الوسطى تتنكر لهذا الامتزاج أو التلاقي بين الروح الإغريقي والروح المسيحي. فبخلاف العقلانية التي عرفها أوغسطين وتوماس، ظهر أناس مثل دونز سكوتوس ينصرون إرادوية تقول إننا لا نستطيع معرفة الله إلا بالإدراك المباشر أو الغريزة. ذلك أن حرية الله تقع فيما وراء أو فوق ذلك، حيث قد تكون أفعال الله مناقضة لكل ما سبق أن فعله! وهذا التوجه يبلغ آفاقا تشبه تلك التي تحدث عنها أو تصورها ابن حزم (يسميه البابا دائما خلال محاضرته: ابن حزن)، وهي صورة تجيز على الله سبحانه أن يفعل ما قد لا يتفق والخير والحقيقة. فتعالي الله وغيريته المطلقة هما من السموق، بحيث إن عقلنا أو إدراكنا للحق أو للخير لا يعودان مرآة لله، الذي يبقى جل وعلا غير مدرك خلف غاياته الفعلية. وبخلاف ذلك، فإن إيمان الكنيسة ظل يؤكد دائما أنه بين الله والإنسان بين الخالق الأبدي وعقلنا المخلوق، هناك دائما قياس حقيقي. وبحسب هذا التوجه فإن الاختلاف أو اللااشتراك يبقى قائما، ولكن ليس إلى حدود إلغاء القياس ولغته. إن الله سبحانه لا يصير مقدسا أكثر، إذا أبعدناه عنا في إرادوية مفرطة.

فالله هو الوجود الذي يفصح عن نفسه باعتباره لوغوس وهو باعتباره كذلك يتقبلنا بحب: ولا شك أن الحب “يتفوق” على المعرفة. ولذلك فهو قادر على التحقق أكثر من تفكيرنا نفسه. وهكذا فالإيمان المسيحي هو في تناغم مع الكلمة الأبدية ومع عقولنا.

إن هذا اللقاء بين الإيمان الإنجيلي والفلسفة الإغريقية، كان على قدر كبير من الأهمية ليس من جهة موقف تاريخ الأديان، بل ومن جهة التاريخ العالمي. وهو أمر ما يزال يهمنا حتى اليوم. وبالنظر لهذا المشيج فإن المسيحية بالرغم من أصولها وتطورها البارز في المشرق، اتخذت سيرها ومصيرها وطبيعتها في أوروبا. ونحن نستطيع أن نعبر عن ذلك بأن هذا المشيج، مضافا إليه الميراث الروماني، صنع أوروبا، وهو يبقى التأسيس الذي يعبر بالكامل عن الذات الأوروبية. وهذه المقولة التي تذهب إلى أن الميراث الإغريقي المصفى يشكل جزءا جوهريا من الإيمان المسيحي تصادمه عمليات “نزع الهلْيَنة” عن المسيحية، وهي العملية التي سيطرت في النقاشات اللاهوتية منذ بدء الأزمنة الحديثة.

ويمكن تتبع العملية المذكورة وقسمتها إلى ثلاث مراحل، تترابط فيما بينها، لكنها تظل ممكنة التمييز والتمايز في الدوافع والأهداف.

بدأت المرحلة الأولى من عمليات “نزع الهلْينة” في زمن الإصلاح بالقرن السادس عشر. وقد نظر الإصلاحيون في التقليد اللاهوتي السكولائي فوجدوه مرتبطا تماما بالفلسفة. ورأوا أن نظام الإيمان هذا ارتبط بمقولات فكرية غريبة عنه. وقد بحث هؤلاء عن الأصل الطهوري للإيمان المسيحي كما يوجد أو يدرك في الكلمة الإنجيلية. فالميتافيزيقا بحسب هذا الإدراك بدت فكرة مسبقة مأخوذة من مصدر آخر، ويكون على الإصلاح أن ينحيها عن المصدر الإلهي وكلمة الله بحيث تعبر الكلمة عن نفسها. وعندما قال عمانوئيل كانط إنه مضطر لوضع الفكر جانبا ليفسح المجال للإيمان، فإنه كان يضع برنامجا راديكاليا، ما رأى الإصلاحيون أنفسهم آفاقه الشاسعة.

لقد وضع الإيمان في العقل العملي، منكرا علاقته بالواقع بشكل عام.

وجاءت المرحلة الثانية في القرنين التاسع عشر والعشرين. ومفكرها الأبرز هو أدولف فون هارناك وتلامذته الكبار. وعندما كنت طالبا في سنوات الشباب كان هذا النوع من اللاهوت مؤثرا أيضا في الكاثوليكية. وقد اتخذت العملية في هذه المرحلة منطلقا من كلام باسكال الذي أقام تمييزا كبيرا بين إله الفلاسفة، وإله إبراهيم وإسحاق ويعقوب. وقد كانت محاضرتي الأولى بجامعة بون عام 1959 عن هذا التطور. ولا أريد العودة هنا لتلك التفاصيل. لكنني أريد أن أنبه إلى ما هو الجديد في تلك المرحلة من “نزع الهلينة”. كان قصد هارناك العودة إلى رسالة المسيح خالية من تعقيدات اللاهوت، ومن الهيللينية: إن الرسالة الأولى للمسيح ـ بحسب هذا الإدراك ـ هي ذروة التطور الديني للبشرية. فقد وضع المسيح نهاية للاهوت العبادة لصالح الأخلاق. وفي المحصلة فإن المسيح هو أبو الرسالة الأخلاقية الإنسانية. لقد كان المراد التوفيق بين المسيحية المحررة من العناصر الفلسفية واللاهوتية ذات الطابع الفلسفي، لتقع في تناغم مع الإيمان بالمسيح وألوهيته والثالوث الإلهي. وبذلك فإن الطريقة التفسيرية التاريخية النقدية للعهد الجديد أعادت للاهوت مكانته بالجامعة. فاللاهوت ـ عند هارناك ـ شديد الأهمية من الناحية التاريخية، ولذلك يجب أن يبقى “علميا” ومن خلف هذا الإدراك أو هذا الفهم يبرز التحديد المحدث للعقل والعقلانية كما عبر كانط في نقداته. لكنه ازداد حدة بالتدريج بسبب تأثير العلوم الطبيعية. ذلك أن المفهوم الحديث للعقل يجمع بين عنصرين: الأفلوطينية والتجريبية. وهي مقولة سادت في عصر التصنيع. وقد ترتبت على هذا التفسير نتيجتان: كل موضوع يخضع للرياضيات وللعناصر التجريبية هو موضوع علمي. والنتيجة الثانية أن هذا النزع للغطاء الفلسفي يتجاهل الله ويتجاهل الأخلاق، وما عادت العلوم الحديثة بناء على هذه النظرة ترتبط بذلك.

… ولننظر قبل الخاتمة في التطور الثالث وتطورات “نزع الهلينة” والذي يجري اليوم. في المرحلة الأولى قيل إن الهلينة هي مرحلة ينبغي تجاوزها، وفي المرحلة الثانية قيل بضرورة العودة للرسالة الصافية والبسيطة للمسيح وتجربته. وكلتا النقطتين تستحق نقاشا حاميا. فالعهد الجديد كتب باليونانية، ويحمل الروح اليونانية. والتصغير من هذا الأمر أو ذاك باسم العودة للعهدين من جانب المسيحيين يفقد المسيحية روحها الباحثة، وقدرتها حتى على اعتناق الحداثة.

ولنصل إلى الخاتمة. إن نقد العقل الحديث لا ينبغي أن يفهم باعتباره عودة إلى الوراء، إلى ما قبل عصر التنوير، ورفض منجزات الحداثة. فنحن نقر بمنجزات العلوم المتطورة وما جلبته للبشرية من خير وتقدم. وهكذا فلا ينبغي فهم دعوتنا باعتبارها أثرا من الماضي، بل هي سبيل من سبل العقل وكيفية وضعه موضع الحياة العملية. وفي الوقت الذي نقر فيه بإنجازات الحداثة ونقدر خدماتها للإنسانية، نرى الأخطار الصادرة عن المرجع ذاته، كما نرى أملا كبيرا في إمكانيات المراجعة والتفسير.

لا بد أن نستشرف حماسا أكبر في الخروج من التلقائيات والإرادويات، وإلا ضرب الدين، وضربت المعاني العميقة المرتبطة به. والذين كانوا يتجاوزون هم الذين عادوا يقرون بأن الدين ضروري اليوم. وقد رأى الغربيون من قبل أن العقل العملي والأشكال الفلسفية المبنية عليه هي الظاهرة العلمية من غير منازع. والذين يرون أن العقل ينبغي أن يعمى ويضعون الدين بمنزلة الثقافات الشعبية هؤلاء لا يستطيعون ممارسة حوار الثقافات. إن العقل العلمي الحديث يكون عليه أن يقبل البنى العقلانية الموضوعة للتراتبية بين العقل والإيمان، بين الروح والدين والله.

وأريد هنا أن أذكر بما قاله سقراط لفيدون، وكانت عدة مقولات خاطئة قد مرت في بداية حديثهما: سهل على أي أحد سمع مقولات فاسدة إلى هذا الحد، أن يبقى طيلة حياته لا داريا ويسخر من الآخرين، لكنه يكون حينها قد حرم نفسه من سؤال حقيقة الوجود، وسيقاسي في حياته كثيرا من وجوه سوء الفهم والتقصير. ولقد ظل الغرب طويلا يتجنب فعلا الكثير من الأسئلة الأساسية، تارة بحجة أنها ليست غربية، وطورا بأنها غربية أكثر من اللازم: وأن تتصرف بخلاف العقل بحسب مانويل الثاني ـ يعني أنك تتصرف بخلاف طبيعة الله. فلنقبل على الحوار وستظهر المشكلات تباعا، ويمكن البحث عن علاجات رحبة ومشتركة لها، دونما إزعاج.

كعك وبسكويت: حرائق في الأفق!

الأربعاء 20 سبتمبر 2006 | القسم: تحليلات وآراء | لا ردود »

الأسبوع الماضي (الثلاثاء 12 سبتمبر) ألقى بابا الفاتيكان محاضرة في ألمانيا حول موضوع الإيمان والعقل. يوم الخميس الموالي (بعد تأخير يومين) وصل الخبر إلى وسائل الإعلام العربية، فانطلقت في شحن الجماهير، ثم جاء دور خطباء الجمعة في الصباح الموالي ليواصلوا إشعال حرائقهم، رغم أنه لا أحد منهم كان قد قرأ نص محاضرة الحبر الأعظم للكاثوليك. حتى علماء الأزهر، وباقي المرجعيات الدينية، بعد أن أرغوا وأزبدوا قالوا بأنهم سيقرؤون نص المحاضرة وسيرون ما يمكن فعله!

بحثت في شبكة الانترنت عن الترجمة العربية لنص المحاضرة، لكني لم أجد. غريبة هذه الوصاية التي تمارسها علينا وسائل الإعلام، وغريب انصياع الجماهير العربية الأعمى. يكفي أن تقول الفضائيات العربية بأن البابا سب الإسلام حتى ينتفض الكل إلى إشعال الحرائق في الكنائس!

حتى الآن لم أقرأ نص المحاضرة، فقط فقرات مجتزأة عن سياقها نشرتها شبكة إسلام أون لاين، لذلك لا أستطيع أن أقول رأيًا حول مضمون المحاضرة ومدى إساءة بنديكت السادس عشر للإسلام. وإن كنت أرى أن اعتذار البابا –في حد ذاته بعيدا عن رأيي في المحاضرة- غير مقنع البتة. فحسب القواعد (أو الأعراف) الأكاديمية، يتم إيراد الاستشهادات أو الاقتباسات من نصوص وكتب أخرى لأمرين اثنين: التأكيد أو التفنيد. أما قول البابا بأن تلك الاقتباسات لا تمثل رأيه –ومن منطلق أنه لم يعمل على تفنيدها كما قرأت في مجتزأ المحاضرة- فإن قوله ذاك يعتبر نقصًا أكاديميا، وما أورده بعتبر حشوًا زائدًا. أو أن ذلك يعني أن قداسة البابا كاذب في اعتذاره.

ما يعنيني هنا هو طبيعة المحاضرة. ما قاله البابا ألقاه على شكل محاضرة داخل جامعة، وليس خطبة دينية في كنيسة. إذن، أكاديميا، يملك البابا الحق في أن يقول كل ما هو مقتنع به بخصوص الإسلام. والرد عليه يجب أن يكون بذات الشكل: محاضرة أكاديمية تفند ما ادعاه، أو مناظرة فكرية تظهر خطأ ما يعتنقه.

أما أن نتصرف بمثل ما ادعى علينا، لنفند ادعائه ذاك، فهذا عين الجنون. هو يقول بأن الإسلام دين يدفع إلى العنف، فهل ردنا عليه هو أن نتصرف بعنف ونقتل المسيحيين ونحرق الكنائس؟!

ثم إن البابا لا يمثل من المسيحيين سوى الكاثوليك، وأما الطوائف الأخرى، خاصة العربية، فهي بنفسها استنكرت ما استند إليه في محاضرته. وما حدث في فلسطين أمر مؤسف بحق. مؤلم أن يحدث ذلك بالذات في فلسطين. خسارة أن المسلمين لا يقرؤون تاريخهم.

هناك مثل فلسطيني يقول: “ابي كعك، وأنا جوعان”، ولديه مقابل مغربي يعني “ماذا تريد أيها العريان. قال: خاتم ذهب”. والأصل يعود إلى عصور الاستبداد في أوربا –ولا أذكر التفاصيل: في مملكة ما انتفض الشعب من الجوع طالبًا خبزا، فلما وصلوا إلى القصر قالت ملكتهم لجنودها: أعطوهم كعكا!

وهذا تماما ما يحصل لنا المسلمين في هذا العصر: الشعوب تطلب الحرية والعدالة والتنمية، فيتم تخديرها بدفعها إلى مثل ردود الفعل الهمجية هذه، لأجل تفريغ غضبهم ورغبتهم في التمرد على الاستبداد الداخلي. ويبقى المستفيد الأول والأخير دائما هو ذاك الجالس على العرش، الذي يخدم رغبات الإمبرياليين الجدد.

ما أشير إليه كخلاصة هو أن الإعلام العربي إعلام استفزازي. يعمد دوما إلى تهييج الجماهير بتقديمه لنصف الحقيقة واحتكاره للنصف الآخر أو تضخيم الحقيقة. في قضية الرسوم الكاريكاتورية عمدت بعض الجرائد إلى إعادة نشر تلك الرسوم، للرفع من درجة الغضب والاستفزاز، وأيضًا عدد المبيعات. أما في هذه القضية فهي لم تحاول ترجمة نص المحاضرة لأن ذلك كفيل –ربما- بالتقليل من حدة الغضب، وإذكاء الرغبة في المناقشة والحوار والمناظرات. وكما أرى كل ما يريده الإعلام العربي هو إثارة النعرات القبلية والصراعات الداخلية وتهييج المشاعر. ولكم أن تتساءلوا عن سر تأخر وصول خبر المحاضرة إلى الإعلام العربي، وكيف تسرب الخبر إليها.

مواضيع ذات صلة: