حوار مع المدونة هديل الحضيف
حيث الموت لا يكفي كانت التدوينة التي جرَّت قدمي إلى مدونة باب الجنة، لأصير سريعًا مداومًا على زيارة المدونة وقراءة كل الجديد، مع القفز بين وقت وآخر إلى الأرشيف لأرى ما سطرته الأيام على باب الجنة.
ليس هناك الكثير ليقال عن صاحبة المدونة إلا ما سطرته هي بنفسها في صفحتها (ربما عني..)، لكن تدويناتها، وهذا الحوار، يتحدثان بنفسيهما عنها.
من هي هديل الحضيف، ومن هي المدونة هديل؟
كلاهما يشبهانني كثيرا، لم تنفصلا عني يوماً، لكني دائماً ما أختبئ خلفهما عني!
لماذا باب الجنة ولماذا غرفة خلفية؟ وكيف تعرفت على عالم التدوين؟
باب الجنة كان ملاذا أخضراً.. صغيراً ونائياً، اعتمدته وطنا لي في مساحات msn، دون أن أعرف أني أدوّن! ثم انتقلت إلى blogger، انتقالي فتح باب الجنة على صخب الشارع، وكادت الأصوات تقتلني، وخشيت فقداني، فبنيتُ غرفتي الخلفية، لأودع أشيائي الصغيرة، وتفاصيلي التي لا يأبه بها أحد.. ولئلا أموت!
هل لك أن تقصي علينا قصة موضوع عزيز لديك منشور بمدونتك؟
هل يصح أن أقول أن كل تدويناتي مثل أطفالي، ولا أفضل أحدهم على الآخر!
حسناً.. أكثر التدوينات قرباً إلى الروح، هي “رسالة إلى الله“، كتبتها والموت يقف على بابي تماماً، والحياة تأفل، وتتلاشى، ولم يبق لي سوى استسلام يأخذني للنهاية مباشرة.. كان نهاراً أخيراً، لولا أن الله قرر يمنع ملك الموت قبل العتبة الأخيرة للمقصلة!! مثل هذه التدوينات هي التي حرضتني على الغرفة الخلفية، لأني كدت أفقدها في غمرة الحديث العام.
حتى الآن ما يزال عدد المدونِات الإناث قليلا جدًُا بالمقارنة مع المدونين الذكور. هل هو عزوف نسائي عن الخوض في المدونات؟
أعتقد أن الأمر هنا نسبي، فهن وإن غبن عن التدوين السياسي، أو المضاد، إلا أنهن حاضرات بكثافة في المدونات ذات الطابع الشخصي أو الاجتماعي أو الأدبي، ربما بشكل يفوق الذكور.
ما تعريفك للمدونة؟
أيمكنني الاستعانة بكتاب ألفباء التدوين؟ أعتقد أنها بيت، لصاحبه أن يملأه بما يشاء، له أن يخصصها، وله أن يعممها.. له أن يشرع أبوابه للعابرين، أو أن ينأى به فيكون (غرفة خلفية)!
قبل سنتين فقط كان عدد المدونات محدودًا ويكاد كل مدون يعرف جميع المدونين الآخرين. الآن حصلت طفرة نمو بالغة في فضاء التدوين العربي وأصبحت المدونات تتكاثر بأسرع مما تتكاثر الأرانب. كيف ترين يا هديل التدوين العربي قبل سنتين، وكيف ترينه الآن؟
قبل سنتين لم أكن أعي تماما مفهوم التدوين، سمعت بشكل متقطع في وسائل الإعلام الأجنبية عن ظاهرة تدعى blogging ، لكني لم أدرك المصطلح تماما، وأعتقد أن الكثيرين لم يعرفوا بالتدوين إلا من خلال مساحات msn، وربما بدؤوا التدوين دون أن يعرفوا أنهم يدونون كما فعلتُ أنا!
الآن أعتقد أن إجراءات الحكومات المختلفة تجاه المدونين في مختلف الدول العربية كافية لإعطاء رؤية عن ما الذي فعله التدوين العربي!
ما سبب هذه الطفرة التي يشهدها التدوين العربي؟
أمور شتى، أعتقد أن أبرزها أن مستخدم الإنترنت العربي سئم من لغط المنتديات، وتجاوز مراهقة بدايات التعامل مع الشبكة، وربما تشكلت لديه رؤية حول الحياة، فأراد أن يرفع صوته بها، وبما أن المنتديات أزعج من أن يسمع بها رأياً، فضلا عن رؤية، والإعلام دونه حجّاب وأبواب؛ فلم يبق للعربي غير صفحة ضئيلة، يضعها على الشبكة على أمل أن يُسمع صوته.
كيف تتوقعين مستقبل التدوين العربي؟
نعيش في زمن يختصر كل شيء، حتى الحالات والظواهر، إن كتب للتدوين أن يستمر لخمس سنوات قادمة؛ فأعتقد أنه سيشمل جميع أنواع الوسائط، حتى تلك التي لم تخترع بعد!
إلى أي حد يمكن أن نقول بأن العرب فهموا حقًا ماهية التدوين؟
لا يمكنني تقييم الفهم العربي للتدوين، باختلاف أغراض المدونين وأهدافهم، لكني أعتقد أن الكثير من المدونين استطاعوا أن يلفتوا الأنظار إليهم لقوة ما يتناولون من مواضيع في مدوناتهم، مما يمكنني من قول: أعتقد أن مثل هؤلاء، فهموا ماهية التدوين، وفي أقل الأحوال استطاعوا أن يجذبوا أنظار مؤسسات إعلامية ضخمة، إلى صفحات (شخصية)!
كيف نقارن بين المدونات العربية ومثيلاتها العالمية، الأمريكية خاصة؟
لستُ بالمتابعة الجيدة للمدونات الأجنبية، لكن أعتقد أنهم سبقونا بالتجربة، وإننا إلى حد معقول قلصنا الفارق بيننا وبينهم.
برأيك، هل يجب أن تكون المدونات صحفية بالضرورة؛ تتابع الأخبار، تعلق عليها وتصنع الحدث. أم فقط، دفتر يوميات شخصي؟ (في الحالة الثانية؛ أليست تسمية “موقع شخصي” أنسب من تسمية “مدونة”؟)
لا.. أنا ضد الدكتاتورية في المدونات، ولا يعنيني كثيراً توجه المدونة كي أقرر تسميتها. ما يعنيني حقاً هو أن يقنعني صاحبها بأن أعود إلى مكانه مرة أخرى.
هل يمكن للمدونات العربية أن تصير قوة مؤثرة في صناعة القرار السياسي والاجتماعي (داخليا وخارجيا)؟
التجربة المصرية خير شاهد على القدرة على التغيير وصنع الرأي العام، الكويتيون أيضا تمكنوا من تقليص دوائر الانتخاب من 50 إلى 5 دوائر فقط –يبدو لي عملا مذهلاً. البحرينيون كان لهم صوتهم في التمييز الطائفي، اللبنانيون صنعوا صوتا قويا إبان الحرب الصيفية، لفت أنظار العالم إليهم. المدونون من بقية الدول العربية، ربما لم يتمكنوا من التغيير، لكن المضايقات التي تعرضوا لها؛ تعتبر مؤشرا أوليا قويا على مستقبل سيصنعون هم الفرق فيه.
السعودية رغم حداثة التدوين العربي بها، وقلة المدونات، إلا أنها تكاد تنفرد بوجود “تجمع رسمي” للمدونين السعوديين. لماذا؟ هل حقًا يستحق ذاك التجمع صفة “الرسمية”؟ ما تعليقك على من يقول بأن هذه الجمعية تشرف عليها جهات رسمية معينة بهدف مراقبة المدونين والحد من أي خطر قد يأتي من المدونات؟
في الحقيقة أنا بعيدة تماما عن أي تجمع، رسمي أو شعبي، لكني فعلا لا أعرف من الذي يمنح الصفة الرسمية للمواقع، ومن الذي يسلبها، لا يهمني أن أكون مدونة رسمية، ما دمت أجد من يقرأ لي. أما إشراف جهات رسمية على الموقع؛ فالإنترنت بسعته التي لا حد لها تشرف عليه جهة واحدة، فلم لا يكون للمدونين من يشرف عليهم ويراقبهم؟!
ما رأيك حول موضوع الروابط والهيئات والتجمعات التي يبادر بعض المدونون إلى تأسيسها بهدف جمع “شتات” المدونين؟ هل ترين أن المدونين العرب بحاجة إلى مثل هذه التجمعات؟ بأي شكل يمكن لهذه التجمعات أن تدعم التدوين العربي؟
ربما أكثر ما نفرني من المنتديات هي صفة (التجمع)، أميل كثيرا لأن أسمع الآراء المختلفة بشكل مستقل عن الجماعة. لكن على الطرف الآخر هناك من يستمتع بالانتساب إلى (جماعة)، بغض النظر عن توجهات تلك الجماعات، قد تحقق له تلك الجماعة هدفا يسعى إليه، وقد لا يكون انتسابه غير إشباعا لحاجة الانتماء إلى تجمع.
تعتبر “قناة الجزيرة” من أكثر وسائل الإعلام العربية اهتمام واقترابًا من موضوع المدونات. أنشأت قبل فترة، بشكل غير رسمي عبر موقعي الشبابي غير الرسمي، رابطة أسمتها “مدونون بلا حدود”. إلى أي حد يمكن اعتبار هذه الرابطة غطاءً تمارس من خلاله “الجزيرة” وصايةً ما على المدونات العربية؟
لا يمكنني الحكم على (مدونون بلا حدود)، لكني أعرف أن خلف هذا المشروع أناس جادون في أن يكون للتدوين كلمته الحرة.
إلى أي حد تحضر السياسة في المدونات العربية وإلى أي حد تغيب الثقافة والأدب؟
أعتقد أن المدونات كانت فرصة السماء بالنسبة لمستخدم الإنترنت العربي! ضاقت المنتديات بالجدل العقيم، وقمعت الحريات في منتديات أخرى، فكان لا بد من فضاء.. أما الأدب فقد وجد ضالته منذ زمن في ذات الأماكن التي ضاقت بالسياسة!
على مستوى دول العالم بدأت المدونات تشكل ملامح إعلام جديد يحقق السبق على أكثر من مستوى أمام وسائل الإعلام الاعتيادية. هل يمكن الحديث عن خطر قد تشكله المدونات مستقبلا على الصحافة بمعناها الذي نعرفه الآن؟ هل يمكن للمدونات أن تكون بديلا للإعلام في الدول القمعية؟ ما أهمية المدونات في وسط يقيد حرية الوصول إلى الانترنت؟
الصحافة بمعناها التقليدي باقية كما بقت من قبل، لكن هل ستنافسها المدونات العربية؟ لا أدري، في السعودية أظن أن الوقت مازال مبكرا على ذلك، لكنها ستكون مكملة ومحللة لما تنشره الصحافة التقليدية، ومن هنا تستمد المدونات قوتها، من الرؤية الأخرى للأخبار، والزاوية المختلفة عن الرأي الرسمي.
ما تقييمك لمستوى تفاعل مستخدمي الانترنت العرب مع المدونات، من ناحية القراءة والمشاركة في التعليقات والتفاعل؟
كما يظهر لي أن التفاعل في معظمه بين المدونين أنفسهم، ونادرا ما تحظى المواضيع بتعليقات من خارج الوسط التدويني، مما يوحي إلي بأن المدون ما زال ينقصه الكثير، ليتمكن من جذب المتصفح من خارج الوسط التدويني لقراءة مدونته.
كلمة أخيرة؟
ليس بعد 19 سؤالا كلمة أخيرة، سوى اعتذار عن قصور، أمنية بأن لا أكون قد أضعت وقت أحد بلا جدوى!

