الخميس 22 مارس 2007 | القسم:
تحليلات وآراء |
الردود: 12 »
في بلاد الرخاء الاجتماعي حين يسأم أحدهم من الحياة، ينتحر! وكذلك الحال في بلاد القمع السياسي والفقر المدقع، حين ييأس أحدهم ويسأم من الحياة، الدنيا، ينتحر. الفارق بينهما هو أن المنتحر الأول يعلق نفسه في/من أنشوطة أو يرمي بنفسه إلى البحر أو إلى الأرض، تاركًا خلفه رسالة أنيقة يُحمل فيها المجتمع مسؤولية انتحاره. أما المنتحر الثاني فلا وقت لديه للرومانسية: يتمنطق بحزام ناسف ويترك رسالته الأنيقة على أشلاء سيئي الحظ الذين تصادف وجودهم مع موعد انتحاره.
* * *
لكل فعل رد فعل.
* * *
بعد يوم واحد من انتصاف شهر ماي 2003، هزت مدينة الدار البيضاء المغربية أصوات انفجارات بجانب أحد الفنادق، دار اسبانيا والمقبرة اليهودية. صعق المغرب بالحادث الذي لم يكن متوقعًا، وبدأ يومذاك فصل جديد من التاريخ المغربي. لو شئنا الدقة هو ليس بفصل جديد، إنما تكرار لفصول دموية سوداء عانى منها المغرب أيام حكم الملك الحسن الثاني، فيما عرف لاحقًا باسم: سنوات الرصاص.
لو أردنا أن نكتب ملخصًا صحفيًا لهذا الفصل، لقلنا: اعتقال أزبد من ثلاثة آلاف شخص اتهموا بتدبير تفجيرات شهر ماي، أو ساهموا فيها، أو نفذوها، أو شجعوا عليها. وتم تمرير قانون الإرهاب، المقيد لكل الحريات، من البرلمان بأغلبية كاملة، بعد ضغط وزارة الداخلية على الأحزاب. وتمت العودة إلى ممارسات سنوات الرصاص بتحويل مركز المخابرات المدنية بمدينة تمارة إلى معتقل “سري” للتعذيب والاستنطاق والدس على كرامة المعتقلين. وعادت وزارة الداخلية لتبسط نفوذها على المساجد وقامت بعزل كثير من الأئمة والعاملين بالمساجد.
* * *
لكل فعل رد فعل، مساوٍ له في القوة.
* * *
منفذوا تلك التفجيرات كانوا من سكان أحد أفقر “دور الصفيح” في “المملكة السعيدة”، لذلك حاول بعض الصحفيين والمهتمين بعلم الإجتماع التنبيه إلى أن الخطر الإرهابي قادم من حيث يتواجد الفقر، وأكدوا أكثر من مرة على ضرورة توفير حياة كريمة للمواطنين والقضاء على الفقر، ليتم بشكل آلي القضاء على الإرهاب. لكن مطرب الحي لا يطرب: رفض ساسة المملكة الإعتراف بحقيقة أنه لولا الحالة الإجتماعية المزرية التي كان يعيشها أولئك الشباب “المنتحرون” لما وجد التطرف الديني له مكانًا في قلوبهم.
الآن، 11 مارس 2007، مرة أخرى، من ذات الحي مدقع الفقر الذي خرج منه “انتحاريوا” شهر ماي 2003، خرج انتحاريان آخران لينسف أحدهما نفسه، بالخطأ، وسط مقهى انترنت صغير في الدار البيضاء. وصار من الضروري العودة مرة أخرى إلى حقيقة أن الفقر هو المصدر الأول للإرهاب داخل المغرب. لكن مرة أخرى، مطرب الحي لن يطرب.
* * *
لكل فعل رد فعل، مساوٍ له في القوة ومضاد في الإتجاه.
* * *
تلك حقيقة لا يمكن إنكارها: لكل فعل رد فعل، مساوٍ له في القوة ومضاد في الإتجاه. جرب أن تأتي بأسد وجوعه، وأنظر إن كان سيلتهمك يومًا أم لا.
لا مجال للهو هنا. اليأس يسيطر على قلوب شباب فقدوا تماما أي أمل في مستقبل إنساني، ولم يبقى أمامهم سوى ثلاث خيارات لا غير: ركوب البحر ومحاولة الهجرة إلى أوربا. النكوص إلى الداخل باحتراف الجريمة وإدمان المخدرات. أما الخيار الثالث فهو الانتحار.
لكن المنتحر في هذه الحالة لن يتصرف كما يتصرف منتحروا السويد أو الدنمارك، بل هو قبل ذلك سيطلق لحيته وسيحيط وسطه بحزام ناسف أو يحمل حقيبة مكدسة بالمتفجرات، وسيبحث عن مكان مناسب ليسطر سخطه ويأسه على أكبر عدد ممكن من الأشلاء.
ليس الفقر هو سبب الإرهاب العالمي، فلأصحاب التفكير القاعدي حساباتهم أيضًا. لكني هنا أتحدث فقط عن الحالة المغربية: الفقر وما يصاحبه من يأس وقنوط وقمع، هي أسباب تدفع الشباب، بعض الشباب، إلى اعتناق نوع معين من التفكير يقودهم إلى “التضحية” بحياتهم مقابل مبادئ شحنوا بها شحنًا.
في الماضي كانت هناك أعمال “إرهابية” أيضًا. لكنها كانت تتم تحت وعي “التغيير اليساري”. الآن لا وعي هنالك. فقط تفجيرات وتفجيرات ولا شيء غير التفجير. الضغط يولد الإنفجار بكل تأكيد.
حين يجد أحد نفسه واقعًا تحت سياط القمع من السلطة، والاستغلال من “الحكومة”، والتجاهل والتفقير والسرقة… إلخ. حين يجد أحد نفسه كذلك ويقنط وييأس فيقوم بعمل “إرهابي”، لا يجب أن نستنكر ذلك. لا يجب أن نندد بذلك. لا يجب أن نرفض ذلك. لأننا قبلا: قبلنا بالفساد الإداري والسياسي، قبلنا بحفنة من المرتزقة أن يحكموننا، قبلنا ببعض اللصوص أن ينهبوا ثرواتنا، وقبلنا بأن نخاف ونتبول في ملابسنا حين يقترب شرطي ما منا.