كلمة عن التعليم المختلط
… خلال إحدى سفرياتي للترجمة فوجئت بعد عودتي بأنه قد تم نقلي من كلية اللغة العربية إلى كلية البنات بالجامعة نفسها، وقد ارتحت لذلك، مع أنه تم للتخلص مني، لا لأنني قد بعدت عن المناخ العدائي فحسب، بل لضيقي بالمجتمعات الذكورية في التعليم غير المختلط، فانتقلت إلى بيئة نسائية في مجملها، والغريب أنني تبينت أنها لا تقل جفافًا ولا توترًا عن البيئة الذكورية المحضة، فالوضع الطبيعي للحياة أن يتجمل كل من الجنسين في حضور الآخر، وأن يبرزا أجمل ما لديهما في الملبس واللغة والروح واللفتات، من دون ابتذال يغري به الإنفراد ويؤدي إليه الفصل المتعسف. (…) خبرتي بالمؤسسات الجامعية والعملية طيلة السنوات اللاحقة أكدت لي أن الحس الحضاري الراقي لا ينبثق بعمق في الأوساط المتشددة في فصل الجنسين حيث تسود الأمراض النفسية والخلقية، وأن حركة التطور تمضي في اتجاهها السليم كلما حافظت على مؤشر تزايد نسبة الحرية والمسؤولية والوعي في تناغم كامل.
د. صلاح فضل، “دبي الثقافية” العدد 27 أغسطس 2007، ص: 72.
أدرك أن التعليم المختلط، خاصة الجامعي منه، له بعض المساوئ على المستوى الأخلاقي، لكن إيجابياته تبقى كثيرة، خاصة أن تلك السلبيات يمكن إسقاطها على المجتمع نفسه. عموما لن أدخل في نقاش حول هذا الموضوع، فقط حين قرأت الفقرة أعلاه تذكرت فترة زاهية من حياتي المدرسية، ففكرت في مشاركتكم إياها:
في النظام التعليمي المغربي، تأتي بين مرحلة التعليم الإبتدائي (ست سنوات) ومرحلة التعليم الثانوي (ثلاث سنوات) مرحلة تسمى بالتعليم الإعدادي مدتها ثلاث سنوات. تلك السنوات الثلاث درستها في مدرسة أنشئت حديثًا وكانت سنتي الأولى بها هي سنة الإفتتاح لها.
السنة الأولى درسنا في فصول غير مختلطة، الذكور في أقسامهم والإناث في أقسام أخرى. لا أدري إن كان ذلك بقرار فردي من مدير المدرسة أم هو قرار وزاري. مرت السنة بشكل عادي، كانت النتائج في غالبيتها عند حدود المتوسط، أي الحد الأدنى للنجاح.
في السنة الثانية تقرر تغيير النظام، وصرنا ندرس في فصول مختلطة. لكم أن تتوقعوا التطور الصاروخي لجميع التلاميذ: لم تعد الإمتحانات مجرد واجبات يجب القيام بها، بل فرصة للتسابق بين الذكور والإناث. نتائج كل إمتحان جديد تأتي أفضل من سابقه (كانت تلك السنة هي بداية تفوقي في اللغة الفرنسية، قبل أن أتراجع عنها في مرحلة لاحقة
).
في السنة اللاحقة تواصل الأمر، وإشتعلت نيران الحماس بين الكل، إلا قلة لم تكن لهم بالدراسة رغبة. لكن في مرحلة دراسة الثانوية تغير الأمر مرة أخرى، فبحكم صعوبة التخصص الذي كنت أدرس، كان عددنا في الفصل قليلا وعدد الإناث أقل بكثير، لذلك خفت مسألة التنافس، وإن لم تنعدم تمامًا.
لو أردت تلخيص كل هذه الثرثرة في جملة واحدة لقلت: التعليم المختلط يدفع التلاميذ إلى الإقبال على التعلم بالشكل الصحيح، كإكتساب معرفي وليس مجرد حفظ لصفحات الكتب، من ثم فالتفوق يكون من نصيب الكل.

