حوار مع المدون هيثم صباح

السبت 28 أكتوبر 2006 | القسم: فضاء التدوين | الردود: 9 »

حوار مع المدون هيثم صباح، لا حاجة لأي تقديم. فقط سأقول: الحوار قيم جدًا.

هيثم صباح

أولا، أشكرك أستاذ هيثم على قبولك إجراء الحوار، وأرجو منك التعريف بنفسك وبمدونتك.

هيثم صباح، 37 عام، أردني من أصل فلسطيني. أحمل شهادة الهندسة الإلكترونية والاتصالات، أقيم وأعمل في مملكة البحرين كمدير في إحدى شركات الاتصالات.

بدأت التدوين منذ ما يزيد عن ستة سنوات وكانت في ذلك الوقت بدافع تجربة الجديد في عالم الشبكة العنكبوتية. مع الوقت، تدرجت مواضيعي من الكتابة عن بعض العلوم والإبتكارات حتى تحولت وتركزت في الثلاث الأعوام الأخيرة إلى السياسة وحقوق الإنسان في العالم العربي بشكل خاص، والحروب الدامية التي تمر بها منطقتنا العربية وبالأخص فلسطين والعراق ولبنان وما يدور من أحداث مهمة في الشارع العربي مثل القضايا الدينية والفكرية، إلخ.

لم اخترت التدوين باللغة الانجليزية؟

في البداية كان السبب شخصيا، وهو تقوية اللغة، لكن مع مرور الوقت، أصبحت اللغة الأنجليزية هي الأداة الأنسب بسبب طبيعة المواضيع التي أكتب عنها، وبسبب أنها موجه للغرب بالأخص، كان لا بد من إختيار لغة يكثر متحدثيها، لذلك انتظمت بالكتابة بالإنجليزية. لكن ذلك لم يمنع من كتابتي بالعربية في مناسبات معينة وخصوصا عندما لا يكون الموضوع موجة للغرب بل للعرب. فمثلا عندما أكتب في مواضيع سياسية أو عن الحروب، فهدفي هو توضيح أو تصحيح أو إسماع القارئ الغربي ما لا يسمعه أو يشاهده أو يقراه في وسائل إعلامه بسبب عدم حيادية الإعلام الغربي أو تجاهله أو جهله بما يدور في العالم العربي. بينما عندما أكتب باللغة العربية، ففي الغالب هو نقد ذاتي لحدث أو ممارسات عربية أشعر بالخجل من إطلاع الغرب عنها أو لا يكون من علمهم فائدة، بينما يكون الصوت العربي هو الهدف.

ما تعريفك للمدونة؟

المدونة برأي هي الوسيلة الأسهل والأسرع للتواصل بين نبض الشارع والإعلام والساسة. البعض يعتبرها مذكرات شخصية، ولكن برأيي، إن لم يكن للمذكرات تأثير في القارئ، فهي ليست سوى ثرثرة على الشبكة ومضيعة للوقت.

منذ عصور، لم تتح للبشرية وسيلة بهذه السهولة تمكن أي شخص من إبداء الرأي ونقل الأحداث كما يراها هو، بدون أي تأثير خارجي، وبدون خضوعها لمقص الرقيب. وبالتالي، فالمدونة هي صحافة المواطن، بكل ما لكلمة صحافة من مغزي وأهداف.

يظهر من أرشيف مدونتك أنك بدأت التدوين سنة 1999. كيف تعرفت على التدوين وكيف كانت بدايتك؟ وكيف تنظر إلى النمو المطرد لفضاء التدوين منذ سنة 1999 إلى حدود هذه السنة؟

كما أسلفت الذكر، كانت البداية بدافع تجربة الجديد، وللأسف فقدت نسبة كبيرة من الأرشيف بين عام 1999 وعام 2003 في أحد مراحل نقل الأرشيف من برنامج تدوين للآخر، لكن لازلت احتفظ بنسخة من بعضه وسوف أنشره إنشاء الله عندما يتاح لي الوقت.

لو كان الأرشيف مكتملا لكان لاحظ القارئ تدرج مواضيعي من العلوم والتكنولوجيا للسياسة وغيره بسبب بداية مدونات غربية في الكتابة والنشر عن مواضيع تخص العالم العربي، وبالأخص فيما يتعلق بالعراق وفلسطين، ولما لاحظته من جهل أغلب هذه المدونات بتاريخ الصراعات، وإنحيازها وإنحرافها عن حقائق يعلمها القاصي والداني في العالم العربي بينما يجهلها الغرب. في تلك المرحلة ومنذ عام 2003 بدأت أيضا الوسائل الإعلامية الغربية بالاهتمام بمدونات الغرب لأنها بدأت تستقطب المواطن الغربي الذي يستقي معلوماته وأخبار العالم من الشبكة العنكبوتية لأسباب عديدة لا مجال لذكرها هنا، ولكن ما أقلقني أن عدد المدونات ذات الأصل العربي والتي تتحدث باللغة الأنجليزية وتكتب “أحيانا” عن ما يدور في الساحة العربية، كانت تعد على أصابع اليد الواحدة. لذلك، شعرت أنه من الواجب أن أدلوا بدلوي في هذا المجال، لعل وعسي أن تصل كلماتي للقليل من المواطنين الغربيين، والحمدلله، بعد أعوام ثلاث من تلك النقطة، أستطيع أن أقول أن مدونتي وصلت لمرحلة يتجاوز فيها القراء الغربيين أكثر من 90 بالمئة.

أما بالنسبة لتطور التدوين، فلا شك أن ما هو متاح الآن يعد قفزة نوعية من جميع النواحي العملية والتكنولوجية بحيث أصبحت المدونات متاحة حتي من خلال الهواتف النقالة وغيرها من الأجهزة المتوفرة في أيادي الغالبية العظمى من الشعوب، حتى تلك ذات الدخل المتواضع. فبعد المدونات النصية، الأن أصبحت المدونات مدعمة بقدرات بصرية وسمعية للنشر والمطالعة.

في بدايات عام 1999 كان عدد المدونات لا يتجاوز الألف أو بعض ذلك، لكن اليوم فعدد المدونات بالملايين وبإزدياد مطرد لا يمكن اللحاق به.

المؤسف في الموضوع هنا أن عدد المدونات العربية لم يزداد بالكم والنوع المرجو منه، ولكن مع أن عدد المدونات العربية سواء المكتوبة بالعربية أو الانجليزية قد ازداد ليصبح بعشرات الآلاف، إلا أن ذلك لا يشفع لها سواء بالكم أو النوع بالمقارنة مع أجزاء أخرى من العالم.

من خلال متابعاتك للمدونات العربية أيها تجدها أفضل وأكثر جدية؛ المدونات المكتوبة باللغة العربية أم المكتوبة بالانجليزية؟

أنا شخصيا لا أستطيع الحكم في ذلك بالتعميم، ولكن برأي أن المدونات المكتوبة بالعربية هي في الغالب نقد ذاتي، وإن كانت موجهة للحكومات المحلية، لكنها ليست مؤثرة بالشكل المطلوب بسبب سلطة الدولة والقانون وتجاهل الإعلام المحلي لها، إلا ما يعد على الأصابع.

في المقابل، نجحت كثير من المدونات المكتوبة بالإنجليزية بالوصول إلي عناوين الأخبار على صفحات الجرائد العالمية ومحطات التلفاز والإذاعة الغربية.

بالطبع، أنا لا أضع كل اللوم على المدونات المكتوبة بالعربية، ولكن اللوم الأكبر يقع على وسائل الإعلام العربية المحلية، وذلك بسبب جهلها أو تجاهلها المقصود وغير المقصود للمدونات وما يدور فيها.

بجانب كل ذلك، فإن المدونون العرب بشكل عام يفتقدون لوسائل الدعم المادية المباشرة أو غير المباشرة التي تمكنهم من إمتهان التدوين وإحترافه كما في الغرب. كما يفتقر العالم العربي لوسائل التدريب والتطوير المتصلة بالتدوين كوسيلة.

ما الدافع إلى إنشاء المدونات؟ وما هي أهمية المدونات؟

الدافع الرئيسي للتدوين هو نشر ما لا يمكن قرائته أو سماعه أو مشاهدته في الوسائل التقليدية، مثل التلفاز. من هنا تنبع أهمية المدونات على أنها الوسيلة الأسرع والأسهل واللأئمن لنشر المواضيع، خصوصا تلك التي تمنع من النشر في الوسائل التقليدية بسبب العادات والتقاليد أو بسبب القوانين والأنظمة التي تمنع نشر كل ما لا يعجبها أو يمثل كشفا للمستور عن بعض الممارسات الخاطئة المتوارثة أو المكتسبة.

هل يمكن للمدونات العربية أن تصير قوة مؤثرة في صناع القرار (داخليا وخارجيا)؟

في الوقت الحاضر، أجد ذلك أبعد عن الوصول، لكن ذلك غير مستحيل. هناك عوامل عديدة تحكم علي مصير ومستقبل العلاقة بين المدونات العربية وصناع القرار. أول هذه الأمور هي ضمان حرية التعبير لكل مواطن، وهذا ما لا أراه قريب الحدوث في العالم العربي. ففي غياب حرية التعبير، كيف يستطيع المواطن أن يكون مؤثرا في صناعة القرار؟

ولكن الأهم من هذا هو أن نتعلم كيف نعبر عن رأينا، وهذا شئ مفقود إبتداء بمناهج التعليم، وإنتهاء بالعادات والتقاليد التي تحكم مجتمعاتنا وتقيد ما يسمح بالكلام فيه وما يحرم، ناهيك عن التقليد الأعمي لما هو غربي بين أجيال من العرب التي تاهت بين مشاكل الحاضر والموروثات التاريخية المليئة بالأحقاد والتي لا زالت تسيطر على عقول الكثير من فئات مجتمعاتنا.

باختصار، إن كان للمدونات دور مستقبلي في صناعة القرار فإنه سيكون محدودا جدا.

إلى أي حد تحضر السياسة في المدونات العربية؟

قليل، وأرجوا أن يكون أكثر. إن ما يؤسف عليه أن المدونات لم تجد طريقها لبعض الدول العربية حتى اليوم. وحتى الموجود منها في بعض الدول، لا يعدوا بداية متواضعة جدا من حيث المضمون، فأين منها السياسة؟

إذا أخذنا بعين الإعتبار عدد المدونات في العالم العربي وأحصينا من يكتب منها في السياسة، فهو قليل جدا. وإذا وضعنا هذا العدد القليل في مواجهة المدونات السياسية الغربية، سنجد أنه عدد أقل من أن يذكر أو يلحظه أحد.

إن السياسة في المدونات العربية هو بمثابة “الجذام”، يبتعد عنه الغالب بسبب يأس المدونين من التأثير والتغير في هذا المجال، وبالأخص لما هو موجه للداخل وليس للغرب، لذلك لا ألومهم.

ما رأيك في محتوى المدونات العربية؟ هل هناك اهتمام عربي بوسيلة النشر هذه؟ ما تقديرك لعدد المدونات العربية الآن؟

المحتويات في المدونات العربية لا تختلف عن مثيلاتها في العالم، لكن في الغالب يكثر فيها الخاص، وهذه ليست ميزة، ولكن بداية متوقعة وإن كانت بطيئة في النمو. ولكن مع ذلك، لا تخلوا المدونات العربية من كل ما هو جيد ومفيد.

أما عن عدد المدونات، فهذا سؤال لا أعتقد أن أحدا بإستطاعته الإجابة عنه بتحديد دقيق، لكن بتوقعات مبنية على التزايد المطرد، فإني أقدر العدد بأقل من مئة ألف مدونة بين مكتوب بالعربية والإنجليزية.

على مستوى دول العالم بدأت المدونات تشكل ملامح إعلام جديد يحقق السبق على أكثر من مستوى أمام وسائل الإعلام الاعتيادية. هل يمكن الحديث عن خطر قد تشكله المدونات مستقبلا على الصحافة بمعناها الذي نعرفه الآن؟

لا أعتقد أنها تشكل خطرا، بل عل العكس، أراها تكمل الحلقة المفقودة في وسائل الإعلام وهي إيصال صوت المواطن.

لقد بدأت وسائل الإعلام العالمية بالإهتمام بالمدونيين والمدونات كوسيلة للتحقق من الخبر وكمصدر للأخبار. بل إن أغلب الوسائل الإعلامية إستفادت من تطور المدونات بإصدار مدوناتها الخاص التي تتيح لها التواصل مع قرائها ومشاهديها وفي نفس الوقت تحقيق أرباحها، إن لم يكن أكثر.

لذلك، فإن التعاون بين المدونات ووسائل الإعلام أصبح غاية ووسيلة في نفس الوقت، يستفيد منه الطرفان في صناعة الخبر ونشره.

مؤسسة الجزيرة الإعلامية قامت مؤخرًا برعاية إنشاء تجمع وصف بالرابطة وسمي بـ “مدونون بلا حدود”. ما تعليقك؟ هل ترى أن المدونين العرب بحاجة إلى مثل هذه التجمعات؟ بأي شكل يمكن لهذه الرابطة أن تدعم التدوين العربي؟ ألا يمكن أن توفر هذه الرابطة غطاءً تمارس من خلاله “الجزيرة” وصايةً ما على المدونات العربية؟

نعم، المدونيين العرب بحاجة للتجمعات، ولكن المدروس والهادف منها. مع كل إحترامي لوؤسسة الجزيرة، ولكن بصفتي أحد الأشخاص الذين حضروا الإجتماع التحضيري لهذا المشروع، فإنني وبكل أسف لم أجد أي خبرة أو تصور واضح لما يود الفريق المؤسس على القيام به. لذلك، فإنني أشك أن يكون للجزيرة أي وصاية على المدونات العربية، أو على الأقل، ليس قبل أن تعتمد المؤسسة الرئيسية للجزيرة المدونات والمدونين كإحدى وسائلها الإعلامية.

في مقابل ذلك، فإنني سأدعم أي مشروع عربي سواء كان إعلاميا أو غير إعلامي، يؤسس ويهدف لتطوير التدوين في العالم العربي.

ما نصائحك للمدون الذي يخطو خطواته الأولى في هذا المجال؟

سؤال صعب، والإجابة أصعب.

نصيحتي للمدونين الجدد أن يهتموا أولا بالمضمون قبل الوسائل. لقد تابعت تطور العديد من المدونات منذ بداياتها، وقد لاحظت أن ما نجح منها وواصل على النجاح هو ما اعتمد المضمون وتحرى المسؤولية في ما يكتب، وليس ما يبهر الإبصار أو يسر الناظر.

إن المدونات الناجحة هي من تحافظ على قرائها وتزيدهم يوما بعد يوم، وليست من تستقطب المشاهدين لصورة فاضحة أو خبر شخصي.

لدينا الكلمات التالية: السياسة. الحرية الفردية. الإصلاح. العالم العربي. لو استخدمتها في فقرة واحدة، ماذا ستقول؟

إن العالم العربي يغط في صراعات سياسية أزلية، سواء كانت داخلية أو خارجية، تهان فيها الحريات الفردية بشكل عام بسبب موروثات حضارية وتاريخية يلعب فيها الفرد دور الدب النائم. لذلك، فإن الإصلاح لا يبدأ إلا من الفرد المتعلم المسؤول والذي يجب أن لا يتوقف عن تطوير وسائله في التواصل مع الأفراد والمؤسسات بصورة حضارية.

كلمة أخيرة؟

ليس للحديث نهاية، ولكن، أرجو أن تتطور المدونات العربية كما ونوعا بسرعة أكثر حتى تصبح في يوم قريب ذات تأثير فعال في تطور أحداث العالم.

أزمة الثقافة العربية

الخميس 19 أكتوبر 2006 | القسم: تحليلات وآراء | الردود: 7 »

تعيش الثقافة العربية أزمة تواصل حقيقية، إذ لا مكان لها في الحضور الإعلامي، حيث استحوذت السياسة والرياضة على كل صفحات الجرائد وكل الشاشات! يبدو أن الإبداع هو آخر ما يفكر فيه العربي.

نلقي نظرة على أي من الجرائد العربية فنجد ثلث صفحاتها مخصص للكوارث وأخبار الحروب حول العالم، مع منوعات أخرى. الثلث الثاني مخصص للإعلانات التجارية، ويخصص الثلث الباقي لأخبار الرياضة والرياضيين. بعض الصحف قد تخصص صفحة أو نصف صفحة للثقافة، لكن ما إن يحصل فائض في الإعلانات التجارية حتى تكون تلك الصفحة أول الضحايا.

حتى القنوات الفضائية تتعامل مع الأمر بذات الطريقة.. حتى الفضائيات الإخبارية الصرفة تخصص نشرات كاملة للرياضة وللاقتصاد، وتتجاهل الثقافة كأن لا وجود لها.

أليس للثقافة والأدب محض اهتمام عند العربي؟ أليس هذا الإبعاد قمع ضد المجتمع؟

نعرف أن المثقف أول من يراد تدميره في الحروب، ويكون آخر ما يدك ما حصون. هو ضمير الأمة وصوتها. أقصد طبعًا المثقف الوطني المهموم بقضايا وطنه، وليس الكلب الراكع بين قدمي السلطان.

نشر الثقافة عبر وسائل الإعلام الجماهيرية يجعل الثقافة ذاتها جماهيرية، ويصبح التفكير جماهيريا والمعرفة ملكًا للكل. لكن أصحاب الحل والعقد لا يريدون ذلك، فيحاربون بالتالي حضور الثقافة والإبداع بكل الأشكال لأجل تنميط المجتمع وقولبته.

بكل تأكيد أزمة الإبداع العربي ليست بسبب فقر مادي، كما يحاولون –أحيانا- إقناعنا، قدر ما هي بسبب فقر في استشراف المستقبل.

دولة قطر تقوم حاليًا بوضع لمساتها الأخيرة على جائزتها السنوية الدولية المخصصة للرواية والبالغ قيمتها المادية ثلاثة ملايين دولارًا أمريكيًا. هل تلاحظون ضخامة المبلغ؟ أول ما سيفعله الفائز بهذه الجائزة هو تطليق الكتابة طلاقًا بائنًا لا رجعة فيه. (لكنه قد يبحث عن “محلل” إذا بذّر المبلغ سريعًا.)

لو أن قيمة هذه الجائزة قسمت إلى حصص أصغر لدعم الثقافة (دعم المسرح، المبدعين الشباب…) لكان أفضل وأكثر خيرًا. غير أن من يهتم بدعم الثقافة في بلاد العرب –عموما- إنما يفعل ذلك لإضفاء البريق على نفسه، وليس حبًا في سواد عيون الثقافة!

إلى متى سنضل مخنوقين تحت معطف الماضي؟ نعم كنا ذات يوم حضارة عظيمة هي أساس الحضارة الغربية اليوم، لكن ذلك مجرد ماض قد مضى. فهل سنتحنط بكاءً أمام الأطلال؟

نحتاج إلى اهتمام جدي بالثقافة بكل صنوفها، وإلا فإننا سنتحول خلال سنوات قليلة إلى نسخة كربونية من الفرد الأمريكي: نلبس ذات اللباس، نأكل ذات الطعام، ننام بذات الطريقة… إلخ. تنميتنا لثقافتنا هو حصننا الذي سنرابط خلفه ضد سياسة القولبة، سيكون بداية النهضة التي نحتاجها.

نريد تخصيص صفحات ثقافية يومية في الجرائد، إصدار مجلات ثقافية متخصصة، فتح المكتبات في كل المدن، دعم المبدعين الشباب، تخصيص نشرات إخبارية للثقافة في الفضائيات… إلخ.

هذا الزخم الثقافي لو حصل سيمنح للفرد جهاز فرز يوفر له إمكانية فرز الصالح من الطالح، سيشجعهم على ممارسة حريتهم، سيسمح لهم بالاستقلالية في اختياراتهم.

لكن هل هناك إرادة حقيقية للإصلاح في العالم العربي؟ تلك هي المشكلة على رأي هاملت. وأمل ألا تكون نهايتنا كما نهاية هاملت!

الاعلام المغربي والانترنت!

الخميس 21 سبتمبر 2006 | القسم: منوعات وخواطر | الردود: 7 »

ما واقع الصحافة الالكترونية مغربيا وعربيا وما طبيعة الوجود المغربي على الانترنت؟ الدردشة والمحتوى الإباحي ومواقع التطرف قد تمثل خطرًا على الناشئة، كيف التصرف؟ هل يمكن لشبكة الانترنت أن تكون بديلا عن الكتاب؟

هذا حوار أجراه معي الأستاذ (عزيز باكوش) للنشر بجريدة (الاتحاد الاشتراكي) ضمن سلسلة حوارات حول ذات الموضوع. كان يفترض أن ينشر هذا الحوار يوم عيد الأضحى (الماضي). لكن سلسلة الحوارات هذه توقفت بعد نشر حوارين فقط! ونظرًا لأهمية الحوار -في نظري على الأقل- أعيد نشره هنا في المدونة.

إقرأ بقية الموضوع…

كعك وبسكويت: حرائق في الأفق!

الأربعاء 20 سبتمبر 2006 | القسم: تحليلات وآراء | لا ردود »

الأسبوع الماضي (الثلاثاء 12 سبتمبر) ألقى بابا الفاتيكان محاضرة في ألمانيا حول موضوع الإيمان والعقل. يوم الخميس الموالي (بعد تأخير يومين) وصل الخبر إلى وسائل الإعلام العربية، فانطلقت في شحن الجماهير، ثم جاء دور خطباء الجمعة في الصباح الموالي ليواصلوا إشعال حرائقهم، رغم أنه لا أحد منهم كان قد قرأ نص محاضرة الحبر الأعظم للكاثوليك. حتى علماء الأزهر، وباقي المرجعيات الدينية، بعد أن أرغوا وأزبدوا قالوا بأنهم سيقرؤون نص المحاضرة وسيرون ما يمكن فعله!

بحثت في شبكة الانترنت عن الترجمة العربية لنص المحاضرة، لكني لم أجد. غريبة هذه الوصاية التي تمارسها علينا وسائل الإعلام، وغريب انصياع الجماهير العربية الأعمى. يكفي أن تقول الفضائيات العربية بأن البابا سب الإسلام حتى ينتفض الكل إلى إشعال الحرائق في الكنائس!

حتى الآن لم أقرأ نص المحاضرة، فقط فقرات مجتزأة عن سياقها نشرتها شبكة إسلام أون لاين، لذلك لا أستطيع أن أقول رأيًا حول مضمون المحاضرة ومدى إساءة بنديكت السادس عشر للإسلام. وإن كنت أرى أن اعتذار البابا –في حد ذاته بعيدا عن رأيي في المحاضرة- غير مقنع البتة. فحسب القواعد (أو الأعراف) الأكاديمية، يتم إيراد الاستشهادات أو الاقتباسات من نصوص وكتب أخرى لأمرين اثنين: التأكيد أو التفنيد. أما قول البابا بأن تلك الاقتباسات لا تمثل رأيه –ومن منطلق أنه لم يعمل على تفنيدها كما قرأت في مجتزأ المحاضرة- فإن قوله ذاك يعتبر نقصًا أكاديميا، وما أورده بعتبر حشوًا زائدًا. أو أن ذلك يعني أن قداسة البابا كاذب في اعتذاره.

ما يعنيني هنا هو طبيعة المحاضرة. ما قاله البابا ألقاه على شكل محاضرة داخل جامعة، وليس خطبة دينية في كنيسة. إذن، أكاديميا، يملك البابا الحق في أن يقول كل ما هو مقتنع به بخصوص الإسلام. والرد عليه يجب أن يكون بذات الشكل: محاضرة أكاديمية تفند ما ادعاه، أو مناظرة فكرية تظهر خطأ ما يعتنقه.

أما أن نتصرف بمثل ما ادعى علينا، لنفند ادعائه ذاك، فهذا عين الجنون. هو يقول بأن الإسلام دين يدفع إلى العنف، فهل ردنا عليه هو أن نتصرف بعنف ونقتل المسيحيين ونحرق الكنائس؟!

ثم إن البابا لا يمثل من المسيحيين سوى الكاثوليك، وأما الطوائف الأخرى، خاصة العربية، فهي بنفسها استنكرت ما استند إليه في محاضرته. وما حدث في فلسطين أمر مؤسف بحق. مؤلم أن يحدث ذلك بالذات في فلسطين. خسارة أن المسلمين لا يقرؤون تاريخهم.

هناك مثل فلسطيني يقول: “ابي كعك، وأنا جوعان”، ولديه مقابل مغربي يعني “ماذا تريد أيها العريان. قال: خاتم ذهب”. والأصل يعود إلى عصور الاستبداد في أوربا –ولا أذكر التفاصيل: في مملكة ما انتفض الشعب من الجوع طالبًا خبزا، فلما وصلوا إلى القصر قالت ملكتهم لجنودها: أعطوهم كعكا!

وهذا تماما ما يحصل لنا المسلمين في هذا العصر: الشعوب تطلب الحرية والعدالة والتنمية، فيتم تخديرها بدفعها إلى مثل ردود الفعل الهمجية هذه، لأجل تفريغ غضبهم ورغبتهم في التمرد على الاستبداد الداخلي. ويبقى المستفيد الأول والأخير دائما هو ذاك الجالس على العرش، الذي يخدم رغبات الإمبرياليين الجدد.

ما أشير إليه كخلاصة هو أن الإعلام العربي إعلام استفزازي. يعمد دوما إلى تهييج الجماهير بتقديمه لنصف الحقيقة واحتكاره للنصف الآخر أو تضخيم الحقيقة. في قضية الرسوم الكاريكاتورية عمدت بعض الجرائد إلى إعادة نشر تلك الرسوم، للرفع من درجة الغضب والاستفزاز، وأيضًا عدد المبيعات. أما في هذه القضية فهي لم تحاول ترجمة نص المحاضرة لأن ذلك كفيل –ربما- بالتقليل من حدة الغضب، وإذكاء الرغبة في المناقشة والحوار والمناظرات. وكما أرى كل ما يريده الإعلام العربي هو إثارة النعرات القبلية والصراعات الداخلية وتهييج المشاعر. ولكم أن تتساءلوا عن سر تأخر وصول خبر المحاضرة إلى الإعلام العربي، وكيف تسرب الخبر إليها.

مواضيع ذات صلة: