جريدة المساء.. القضاء المغربي وإعتزال التدوين!

الأربعاء 26 مارس 2008 | القسم: منوعات وخواطر | الردود: 14 »

لم تعد أحكام القضاء المغربي تثير إستغراب أحد وصار يمكن توقعها دونما كثير جهد. أمس حقق القضاء المغربي رقمًا قياسيا في فداحة ما يحكم به، إذ غرم جريدة المساء المغربية مبلغ 600 مليون سنتيم (أقل قليلا من مليون دولار أمريكي!). التفاصيل غير مهمة، فالتهمة كما العادة إما القذف والسب وإما المس بالمقدسات (ويقصد بها الإخلال بالإحترام الواجب للملك). والهدف دائمًا هو إسكات المعارضين المطالبين بالإصلاح والصحافة المستقلة التي صارت تمارس المعارضة التي تخلت عنها الأحزاب السياسية.

الآن إما يتدخل الملك (بشكل مباشر أو غير مباشر) فلا يتم المطالبة بدفع المبلغ وإبقاء الأمر معلقًا كقيد في عنق الجريدة لأجل الضغط عليها بين وقت وآخر، أو يتم تخفيف الغرامة أو التراجع عنها لو تقدمت الجريدة بطلب إستئناف الحكم. وإذا لم يتدخل الملك وتم تنفيذ الحكم سيكون على الجريدة أن تغلق أبوابها، لأن مبلغ الغرامة تعجيزي والهدف منه فعلا هو دفع الجريدة للإفلاس.

في كل الحالات فإن هذا يؤكد أنه للأسف لا أمل في إصلاح قريب للقضاء المغربي (القضاء الذي يعترف وزير العدل نفسه بأنه غير مستقل). ثمة أشياء لا تقدم مجزئة (القضاء المستقل، حرية التعبير، إحترام حقوق الإنسان، الحق في تعليم منتج…)، إما تقدم كاملة وإما لا. لا يمكن القول بأن المغرب بلد ديموقراطي فقط لأنه يسمح بإنتخابات نزيهة (يسمح بذلك لأنه لا توجد أحزاب قوية تخاف منها الدولة) ونتجاهل القمع المريع الممارس على حرية التعبير.

بسبب هذا أجدني مضطرًا لإعلان إعتزالي التدوين! ليس لأنني خائف (وهي فرصة لأمارس غروري وأقول بأن مدونتي هذه هي أفضل مدونة مغربية باللغة العربية والأكثر جرأة على الإطلاق، ولولا أن السلطات المعنية بقمع الحريات لم تلتفت بعد للمدونات بشكل جدي لكنتم قد إرتحتم مني منذ شهور!). أقول ليس خوفًا، إنما فقدًا للأمل في أي إصلاح قادم. كل شيء هنا يهوي للأسفل: التعليم يثير التقيؤ، القضاء يثير الرعب، الصحة تثير الهلع، الأمن يثير القرف. إلا الغلاء والضرائب، فقط كلاهما يرتفعان بحماس منقطع النظير (والضمير).

ماذا سأفعل بالتدوين سوى أن أسبب لنفسي مزيدًا من الصداع. ربما عليّ أن أكون صادقًا مع نفسي، نعم أشعر بالخوف. ربما لم أصل لحد الرقابة الذاتية والخوف أثناء الكتابة، لكني حين أنشر وأعيد قراءة ما كتبت أشعر بشيء قليل من الخوف، ما زلت أتجاهله حتى الآن وأنا أكتب هذه الكلمات.

الخلاصة التي وصلتها، للأسف: لا فائدة. أو على رأي سعد زغلول: ما فيش فايدة!! كنت دومًا أرفض الإضراب عن التدوين دعما لقضية ما، من منطلق أن الصمت لن يفيد تلك القضية، لكني أجدني الآن مقررًا الإعتزال عن التدوين وليس فقط الإضراب عنه. صحيح أن هذا لن يفيد في شيء، لكني أضعف، الآن، من أن أفعل شيئًا حيويًا، أضعف من أن أغير. لذلك سأبتعد الآن، إلى أجل غير مسمى، لكن العودة ممكنة في أي وقت، وبأي شكل، لو دعت الحاجة.

فقط كلمة أخيرة: التدوين لدي مجرد وسيلة للنشر، لكني أنظر إليه من زاويتين. زاوية التدوين كعمل تجاري، من منطلق أن المدونات وسيلة سهلة للنشر تيسر التواصل ومن ثم تسويق المنتجات والخدمات. وزاوية ثانية هي زاوية التدوين كعمل سياسي، بإعتبار أن المدونات وسيط صحفي للنشر يسهل عملية التعبير عن الرأي ويسرع من عملية نقل الخبر. التدوين التجاري لن أعتزله، لأنه مرتبط بوظيفتي. ما سأعتزله هو التدوين الشخصي (بما في ذالك العمل الصحفي نفسه).

سلام!

العراق.. فلسطين: لا جدوى الكلام!

الأربعاء 8 نوفمبر 2006 | القسم: منوعات وخواطر | الردود: 4 »

ُحكِم على صدام حسين بالإعدام؛ حُكمٌ كان يمكن اعتباره عادلا لو أن الشعب العراقي هو الذي انتفض وخلع صدام وحاكمه. أما أن يفعل ذلك من لا تقل جرائمه عددًا وبشاعة عن جرائم صدام فذاك غير مقبول. الحديث يكثر حول أن المحاكمة مجرد مسرحية هزلية وهناك من يطالب بإعادة المحاكمة وثمة من يطالب بعدم تنفيذ الحكم. لك ما قيمة كل ذلك والاحتلال ضارب نفوذه في أرض العراق؟

آه لو يجدي الكلام!

كل فجر يصحوا الفلسطينيون على مذبحة جديدة تذهب بتسعة أعشار كل عائلة. كل يوم تسقط على الأراضي المحتلة مئات القنابل الشرعية وغير الشرعية. العالم يندد، العرب يشجبون، الشعوب تخرج في مظاهرات… لكن هل يعيد ذلك للأموات حياتهم وللمهانين كرامتهم؟

آه لو يجدي الكلام!

مجرد كلام في كلام، ولا شيء غير كلمات لا معنى لها. ما معنى أن تنعقد جامعة الدول العربية وتصدر بيانا تندد فيه وتشجب ثم تكون دولها أول المساندين للعدوان، إن ليس بالفعل فبالصمت؟! لا معنى من ذلك أبدًا.

لن أخفي تشاؤمي. الأعداء واضحون: بدون ولايات متحدة أمريكية وإسرائيل، العالم سيكون أفضل. كل هذا الكلام الذي نتبادله لا معنى له. الأعداء واضحون: بدون الحكام العرب الحاليين وأبنائهم ستكون الدول العربية أفضل حالا.

آه لو يجدي الكلام!

أزمة الثقافة العربية

الخميس 19 أكتوبر 2006 | القسم: تحليلات وآراء | الردود: 7 »

تعيش الثقافة العربية أزمة تواصل حقيقية، إذ لا مكان لها في الحضور الإعلامي، حيث استحوذت السياسة والرياضة على كل صفحات الجرائد وكل الشاشات! يبدو أن الإبداع هو آخر ما يفكر فيه العربي.

نلقي نظرة على أي من الجرائد العربية فنجد ثلث صفحاتها مخصص للكوارث وأخبار الحروب حول العالم، مع منوعات أخرى. الثلث الثاني مخصص للإعلانات التجارية، ويخصص الثلث الباقي لأخبار الرياضة والرياضيين. بعض الصحف قد تخصص صفحة أو نصف صفحة للثقافة، لكن ما إن يحصل فائض في الإعلانات التجارية حتى تكون تلك الصفحة أول الضحايا.

حتى القنوات الفضائية تتعامل مع الأمر بذات الطريقة.. حتى الفضائيات الإخبارية الصرفة تخصص نشرات كاملة للرياضة وللاقتصاد، وتتجاهل الثقافة كأن لا وجود لها.

أليس للثقافة والأدب محض اهتمام عند العربي؟ أليس هذا الإبعاد قمع ضد المجتمع؟

نعرف أن المثقف أول من يراد تدميره في الحروب، ويكون آخر ما يدك ما حصون. هو ضمير الأمة وصوتها. أقصد طبعًا المثقف الوطني المهموم بقضايا وطنه، وليس الكلب الراكع بين قدمي السلطان.

نشر الثقافة عبر وسائل الإعلام الجماهيرية يجعل الثقافة ذاتها جماهيرية، ويصبح التفكير جماهيريا والمعرفة ملكًا للكل. لكن أصحاب الحل والعقد لا يريدون ذلك، فيحاربون بالتالي حضور الثقافة والإبداع بكل الأشكال لأجل تنميط المجتمع وقولبته.

بكل تأكيد أزمة الإبداع العربي ليست بسبب فقر مادي، كما يحاولون –أحيانا- إقناعنا، قدر ما هي بسبب فقر في استشراف المستقبل.

دولة قطر تقوم حاليًا بوضع لمساتها الأخيرة على جائزتها السنوية الدولية المخصصة للرواية والبالغ قيمتها المادية ثلاثة ملايين دولارًا أمريكيًا. هل تلاحظون ضخامة المبلغ؟ أول ما سيفعله الفائز بهذه الجائزة هو تطليق الكتابة طلاقًا بائنًا لا رجعة فيه. (لكنه قد يبحث عن “محلل” إذا بذّر المبلغ سريعًا.)

لو أن قيمة هذه الجائزة قسمت إلى حصص أصغر لدعم الثقافة (دعم المسرح، المبدعين الشباب…) لكان أفضل وأكثر خيرًا. غير أن من يهتم بدعم الثقافة في بلاد العرب –عموما- إنما يفعل ذلك لإضفاء البريق على نفسه، وليس حبًا في سواد عيون الثقافة!

إلى متى سنضل مخنوقين تحت معطف الماضي؟ نعم كنا ذات يوم حضارة عظيمة هي أساس الحضارة الغربية اليوم، لكن ذلك مجرد ماض قد مضى. فهل سنتحنط بكاءً أمام الأطلال؟

نحتاج إلى اهتمام جدي بالثقافة بكل صنوفها، وإلا فإننا سنتحول خلال سنوات قليلة إلى نسخة كربونية من الفرد الأمريكي: نلبس ذات اللباس، نأكل ذات الطعام، ننام بذات الطريقة… إلخ. تنميتنا لثقافتنا هو حصننا الذي سنرابط خلفه ضد سياسة القولبة، سيكون بداية النهضة التي نحتاجها.

نريد تخصيص صفحات ثقافية يومية في الجرائد، إصدار مجلات ثقافية متخصصة، فتح المكتبات في كل المدن، دعم المبدعين الشباب، تخصيص نشرات إخبارية للثقافة في الفضائيات… إلخ.

هذا الزخم الثقافي لو حصل سيمنح للفرد جهاز فرز يوفر له إمكانية فرز الصالح من الطالح، سيشجعهم على ممارسة حريتهم، سيسمح لهم بالاستقلالية في اختياراتهم.

لكن هل هناك إرادة حقيقية للإصلاح في العالم العربي؟ تلك هي المشكلة على رأي هاملت. وأمل ألا تكون نهايتنا كما نهاية هاملت!