20% فقر.. 80% إرهاب !!

السبت 24 مارس 2007 | القسم: تحليلات وآراء | الردود: 3 »

في مجال الإدارة هناك نظرية تعرف باسم (مبدأ باريتو)، (وكذلك باسم قانون 20/80)، وهي تعني أن حل 80% من أي مشكلة يكمن في 20% من أكبر مسببات تلك المشكلة.

80% من حجم أو عواقب أي مشكلة ناتج فقط من 20% من أكبر المسببات.
80% من الجهد أو ناتج الجهد هو نتيجة 20% فقط من العمل.
80% من الهدر سببه 20% فقط من المشاكل.
(المصدر)

مقالي السابق (الفقر والقمع.. والإرهاب) أعتبر محاولة لتبرير الإرهاب، لكنه ليس كذلك. صحيح أنني لا أدينه بالمطلق، للأسباب التي أوضحتها هنالك، لكني أيضًا لا أتفق معه ولو جزئيًا، غير أنني أتفهمه، لذلك أردت الخوض في محاولة لفهم مسببات تلك العمليات الإرهابية.

كثير من المعترضين يقولون بأن الفقر لا يبرر القتل والإرهاب. فليكن، لن نناقش هذا الآن. فقط سؤال: أليس الفقر، وإن لم يبرر الإرهاب، أحد أسباب استفحاله في المغرب؟ مهما تكن المببررات فلن يمكن إنكار أن الفقر هو أحد أهم مسببات جنوح الشباب المغربي نحو الإرهاب. ولو طبقنا مبدأ باريتو هنا فإننا بقضائنا فقط على 20% من الفقر فسنكون قد قضينا على 80% من الإرهاب.

قد تبدو النظرية هكذا، بشكلها المجرد، صعبة الإدراك، أو التنفيذ، لكن المعنيين بالأمر يمكنهم، بشيء من حس المواطنة، أن يجعلوا النظرية قابلة للتحقيق فعلا على أرض الواقع.

الملك محمد السادس، أدرك مع مستشاريه، بعد أحداث 16 ماي 2003 أن الفقر أحد أسباب الإرهاب، فأطلق (المبادرة الوطنية للتنمية البشرية) التي أريد لها أن تنقذ ما يمكن إنقاذه. هي فعلا مبادرة رائعة لولا أنها لم تنفذ كما يجب. السرعة التي بدأ بها التنفيذ، وعدم الفرز السليم للأولويات، مع اكتساح الرشوة لكل الإدارات المعنية واستغلال بعض النافذين لسلطاتهم للاغتناء من تلك المبادرة، فإنها فشلت للأسف. للحق هي لم تفشل بشكل كامل، لكنها أيضًا لم تأتي بنتائجها المتوقعة.

لذلك نحتاج مجددًا إلى بديل آخر. بديل جدي، للقضاء على الأقل على 20% من الفقر بشكل كامل، وسنرى بعدها كيف سيصير من السهل القضاء على الإرهاب.

الفقر والقمع.. والإرهاب!

الخميس 22 مارس 2007 | القسم: تحليلات وآراء | الردود: 12 »

في بلاد الرخاء الاجتماعي حين يسأم أحدهم من الحياة، ينتحر! وكذلك الحال في بلاد القمع السياسي والفقر المدقع، حين ييأس أحدهم ويسأم من الحياة، الدنيا، ينتحر. الفارق بينهما هو أن المنتحر الأول يعلق نفسه في/من أنشوطة أو يرمي بنفسه إلى البحر أو إلى الأرض، تاركًا خلفه رسالة أنيقة يُحمل فيها المجتمع مسؤولية انتحاره. أما المنتحر الثاني فلا وقت لديه للرومانسية: يتمنطق بحزام ناسف ويترك رسالته الأنيقة على أشلاء سيئي الحظ الذين تصادف وجودهم مع موعد انتحاره.

* * *
لكل فعل رد فعل.
* * *

بعد يوم واحد من انتصاف شهر ماي 2003، هزت مدينة الدار البيضاء المغربية أصوات انفجارات بجانب أحد الفنادق، دار اسبانيا والمقبرة اليهودية. صعق المغرب بالحادث الذي لم يكن متوقعًا، وبدأ يومذاك فصل جديد من التاريخ المغربي. لو شئنا الدقة هو ليس بفصل جديد، إنما تكرار لفصول دموية سوداء عانى منها المغرب أيام حكم الملك الحسن الثاني، فيما عرف لاحقًا باسم: سنوات الرصاص.

لو أردنا أن نكتب ملخصًا صحفيًا لهذا الفصل، لقلنا: اعتقال أزبد من ثلاثة آلاف شخص اتهموا بتدبير تفجيرات شهر ماي، أو ساهموا فيها، أو نفذوها، أو شجعوا عليها. وتم تمرير قانون الإرهاب، المقيد لكل الحريات، من البرلمان بأغلبية كاملة، بعد ضغط وزارة الداخلية على الأحزاب. وتمت العودة إلى ممارسات سنوات الرصاص بتحويل مركز المخابرات المدنية بمدينة تمارة إلى معتقل “سري” للتعذيب والاستنطاق والدس على كرامة المعتقلين. وعادت وزارة الداخلية لتبسط نفوذها على المساجد وقامت بعزل كثير من الأئمة والعاملين بالمساجد.

* * *
لكل فعل رد فعل، مساوٍ له في القوة.
* * *

منفذوا تلك التفجيرات كانوا من سكان أحد أفقر “دور الصفيح” في “المملكة السعيدة”، لذلك حاول بعض الصحفيين والمهتمين بعلم الإجتماع التنبيه إلى أن الخطر الإرهابي قادم من حيث يتواجد الفقر، وأكدوا أكثر من مرة على ضرورة توفير حياة كريمة للمواطنين والقضاء على الفقر، ليتم بشكل آلي القضاء على الإرهاب. لكن مطرب الحي لا يطرب: رفض ساسة المملكة الإعتراف بحقيقة أنه لولا الحالة الإجتماعية المزرية التي كان يعيشها أولئك الشباب “المنتحرون” لما وجد التطرف الديني له مكانًا في قلوبهم.

الآن، 11 مارس 2007، مرة أخرى، من ذات الحي مدقع الفقر الذي خرج منه “انتحاريوا” شهر ماي 2003، خرج انتحاريان آخران لينسف أحدهما نفسه، بالخطأ، وسط مقهى انترنت صغير في الدار البيضاء. وصار من الضروري العودة مرة أخرى إلى حقيقة أن الفقر هو المصدر الأول للإرهاب داخل المغرب. لكن مرة أخرى، مطرب الحي لن يطرب.

* * *
لكل فعل رد فعل، مساوٍ له في القوة ومضاد في الإتجاه.
* * *

تلك حقيقة لا يمكن إنكارها: لكل فعل رد فعل، مساوٍ له في القوة ومضاد في الإتجاه. جرب أن تأتي بأسد وجوعه، وأنظر إن كان سيلتهمك يومًا أم لا.

لا مجال للهو هنا. اليأس يسيطر على قلوب شباب فقدوا تماما أي أمل في مستقبل إنساني، ولم يبقى أمامهم سوى ثلاث خيارات لا غير: ركوب البحر ومحاولة الهجرة إلى أوربا. النكوص إلى الداخل باحتراف الجريمة وإدمان المخدرات. أما الخيار الثالث فهو الانتحار.

لكن المنتحر في هذه الحالة لن يتصرف كما يتصرف منتحروا السويد أو الدنمارك، بل هو قبل ذلك سيطلق لحيته وسيحيط وسطه بحزام ناسف أو يحمل حقيبة مكدسة بالمتفجرات، وسيبحث عن مكان مناسب ليسطر سخطه ويأسه على أكبر عدد ممكن من الأشلاء.

ليس الفقر هو سبب الإرهاب العالمي، فلأصحاب التفكير القاعدي حساباتهم أيضًا. لكني هنا أتحدث فقط عن الحالة المغربية: الفقر وما يصاحبه من يأس وقنوط وقمع، هي أسباب تدفع الشباب، بعض الشباب، إلى اعتناق نوع معين من التفكير يقودهم إلى “التضحية” بحياتهم مقابل مبادئ شحنوا بها شحنًا.

في الماضي كانت هناك أعمال “إرهابية” أيضًا. لكنها كانت تتم تحت وعي “التغيير اليساري”. الآن لا وعي هنالك. فقط تفجيرات وتفجيرات ولا شيء غير التفجير. الضغط يولد الإنفجار بكل تأكيد.

حين يجد أحد نفسه واقعًا تحت سياط القمع من السلطة، والاستغلال من “الحكومة”، والتجاهل والتفقير والسرقة… إلخ. حين يجد أحد نفسه كذلك ويقنط وييأس فيقوم بعمل “إرهابي”، لا يجب أن نستنكر ذلك. لا يجب أن نندد بذلك. لا يجب أن نرفض ذلك. لأننا قبلا: قبلنا بالفساد الإداري والسياسي، قبلنا بحفنة من المرتزقة أن يحكموننا، قبلنا ببعض اللصوص أن ينهبوا ثرواتنا، وقبلنا بأن نخاف ونتبول في ملابسنا حين يقترب شرطي ما منا.

مع الإرهاب.. ضد الإرهاب!

الثلاثاء 20 مارس 2007 | القسم: منوعات وخواطر | الردود: 5 »

من ضمن أسئلة كان اقترحها مراسل شبكة إسلام أون لاين بالمغرب، عبد الرحمن خيزران، لتضمينها في تحقيقه: مدونات المغرب السياسية.. الإصلاح بالفرنسية!. كان السؤال: هل تواجهون الضغوط السياسية للسلطة بما يسمى بالرقابة الذاتية؟ وما حجم هذه الرقابة؟

جوابي كان:

بالمعنى الاعتيادي لرقابة ذاتية، لا. أصلا يفترض في المدونات أن تخترق الطابوهات وتتجاوز الرقابة الذاتية. لكن، بالنسبة إلي، ثمة مواضيع ذات حساسية معينة، أفضل تأجيل الحديث عنها لوقت آخر. السبب هو أن المدونات مغربيًا لا تنال بعد الاهتمام المناسب، ومن النادر أن تجد جمعية حقوقية تعرف شيئًا عن المدونات، كما أن عدد قراء مدونتي من داخل المغرب أقل بكثير مقارنة بباقي الدول العربية. بمعنى أنني لو قلت كل ما أريد قوله الآن، يمكن أن أتعرض للتوقيف، والمدونة تتعرض للحجب. عندها لن أجد من يهتم بأمري ولن يستفيد أحد من “جرأتي” في تناول تلك المواضيع. لكن حين يكون هناك اهتمام كبير بالمدونات سوف لن أتردد أبدًا في التعبير عن أرائي بالطريقة التي أراها مناسبة. أنذاك لن أخشى شيئًا، وسأكون واثقًا من أن ما أردت قوله سيصل تماما إلى القراء حتى وإن تعرضت للمنع والتوقيف.

الآن أتساءل: هل حقًا كنت صادقًا مع نفسي بقولي ذاك؟ هل حقًا “أأجل” مناقشة تلك المواضيع إلى وقتٍ يكتسب فيه فعل التعبير عن رأيي شيئًا من المصداقية، أم أنني أهرب من تلك المواضيع بسبب الرعب المتأصل من كل ما هو أمني و.. ملكي؟!

لا جواب الآن!

كعك وبسكويت: حرائق في الأفق!

الأربعاء 20 سبتمبر 2006 | القسم: تحليلات وآراء | لا ردود »

الأسبوع الماضي (الثلاثاء 12 سبتمبر) ألقى بابا الفاتيكان محاضرة في ألمانيا حول موضوع الإيمان والعقل. يوم الخميس الموالي (بعد تأخير يومين) وصل الخبر إلى وسائل الإعلام العربية، فانطلقت في شحن الجماهير، ثم جاء دور خطباء الجمعة في الصباح الموالي ليواصلوا إشعال حرائقهم، رغم أنه لا أحد منهم كان قد قرأ نص محاضرة الحبر الأعظم للكاثوليك. حتى علماء الأزهر، وباقي المرجعيات الدينية، بعد أن أرغوا وأزبدوا قالوا بأنهم سيقرؤون نص المحاضرة وسيرون ما يمكن فعله!

بحثت في شبكة الانترنت عن الترجمة العربية لنص المحاضرة، لكني لم أجد. غريبة هذه الوصاية التي تمارسها علينا وسائل الإعلام، وغريب انصياع الجماهير العربية الأعمى. يكفي أن تقول الفضائيات العربية بأن البابا سب الإسلام حتى ينتفض الكل إلى إشعال الحرائق في الكنائس!

حتى الآن لم أقرأ نص المحاضرة، فقط فقرات مجتزأة عن سياقها نشرتها شبكة إسلام أون لاين، لذلك لا أستطيع أن أقول رأيًا حول مضمون المحاضرة ومدى إساءة بنديكت السادس عشر للإسلام. وإن كنت أرى أن اعتذار البابا –في حد ذاته بعيدا عن رأيي في المحاضرة- غير مقنع البتة. فحسب القواعد (أو الأعراف) الأكاديمية، يتم إيراد الاستشهادات أو الاقتباسات من نصوص وكتب أخرى لأمرين اثنين: التأكيد أو التفنيد. أما قول البابا بأن تلك الاقتباسات لا تمثل رأيه –ومن منطلق أنه لم يعمل على تفنيدها كما قرأت في مجتزأ المحاضرة- فإن قوله ذاك يعتبر نقصًا أكاديميا، وما أورده بعتبر حشوًا زائدًا. أو أن ذلك يعني أن قداسة البابا كاذب في اعتذاره.

ما يعنيني هنا هو طبيعة المحاضرة. ما قاله البابا ألقاه على شكل محاضرة داخل جامعة، وليس خطبة دينية في كنيسة. إذن، أكاديميا، يملك البابا الحق في أن يقول كل ما هو مقتنع به بخصوص الإسلام. والرد عليه يجب أن يكون بذات الشكل: محاضرة أكاديمية تفند ما ادعاه، أو مناظرة فكرية تظهر خطأ ما يعتنقه.

أما أن نتصرف بمثل ما ادعى علينا، لنفند ادعائه ذاك، فهذا عين الجنون. هو يقول بأن الإسلام دين يدفع إلى العنف، فهل ردنا عليه هو أن نتصرف بعنف ونقتل المسيحيين ونحرق الكنائس؟!

ثم إن البابا لا يمثل من المسيحيين سوى الكاثوليك، وأما الطوائف الأخرى، خاصة العربية، فهي بنفسها استنكرت ما استند إليه في محاضرته. وما حدث في فلسطين أمر مؤسف بحق. مؤلم أن يحدث ذلك بالذات في فلسطين. خسارة أن المسلمين لا يقرؤون تاريخهم.

هناك مثل فلسطيني يقول: “ابي كعك، وأنا جوعان”، ولديه مقابل مغربي يعني “ماذا تريد أيها العريان. قال: خاتم ذهب”. والأصل يعود إلى عصور الاستبداد في أوربا –ولا أذكر التفاصيل: في مملكة ما انتفض الشعب من الجوع طالبًا خبزا، فلما وصلوا إلى القصر قالت ملكتهم لجنودها: أعطوهم كعكا!

وهذا تماما ما يحصل لنا المسلمين في هذا العصر: الشعوب تطلب الحرية والعدالة والتنمية، فيتم تخديرها بدفعها إلى مثل ردود الفعل الهمجية هذه، لأجل تفريغ غضبهم ورغبتهم في التمرد على الاستبداد الداخلي. ويبقى المستفيد الأول والأخير دائما هو ذاك الجالس على العرش، الذي يخدم رغبات الإمبرياليين الجدد.

ما أشير إليه كخلاصة هو أن الإعلام العربي إعلام استفزازي. يعمد دوما إلى تهييج الجماهير بتقديمه لنصف الحقيقة واحتكاره للنصف الآخر أو تضخيم الحقيقة. في قضية الرسوم الكاريكاتورية عمدت بعض الجرائد إلى إعادة نشر تلك الرسوم، للرفع من درجة الغضب والاستفزاز، وأيضًا عدد المبيعات. أما في هذه القضية فهي لم تحاول ترجمة نص المحاضرة لأن ذلك كفيل –ربما- بالتقليل من حدة الغضب، وإذكاء الرغبة في المناقشة والحوار والمناظرات. وكما أرى كل ما يريده الإعلام العربي هو إثارة النعرات القبلية والصراعات الداخلية وتهييج المشاعر. ولكم أن تتساءلوا عن سر تأخر وصول خبر المحاضرة إلى الإعلام العربي، وكيف تسرب الخبر إليها.

مواضيع ذات صلة:

أنصار المهدي: فرضيات محتملة!

الثلاثاء 19 سبتمبر 2006 | القسم: تحليلات وآراء | الردود: 8 »

منذ تفجيرات الدار البيضاء الإرهابية (16 ماي 2003) أوقفت الأجهزة الأمنية المغربية ما يزيد عن الستين خلية قيل أنها تهيئ لأعمال إرهابية. تلك اليقظة الأمنية مرت بشكل عادي دون تهويل من أجهزة الإعلام، دون متابعة من البرلمان ودون اهتمام كبير من طرف رجل الشارع. لكن شهر غشت الماضي غير الوضع: وجدت وسائل الإعلام مادة متجددة تُسَود بها بياض صفحاتها، ووجد المواطنون حديثا يلوكونه في ليالي أغسطس قائضة الحرارة؛ إنها قضية “خلية أنصار المهدي” التي استطاعت اختراق الجيش ومؤسسات أمنية أخرى، بتجنيدها لأفراد من تلك المؤسسات وإلحاقها بجناحها العسكري، استعدادا –حسب الرواية الرسمية- للقيام بأعمال تخريبية ضد مصالح وطنية وأجنبية بالمغرب وكذا تنفيذ اغتيالات ذات طابع سياسي وأخلاقي. اغتيالات ذهبت جريدة أحد أحزاب الأغلبية إلى القول بأنها كان ستطال هرم السلطة في المغرب: الملك محمد السادس!

استطاع الملك الراحل الحسن الثاني أن يرسخ نوعًا من الخصوصية فيما يخص نشاط الجماعات ذات الخلفية الإسلامية، باحتكاره للسلطة الدينية عبر صفة “أمير المؤمنين”، واعتماده على نسبه، المنحدر عن خاتم الأنبياء والرسل، في كسب ولاء الشعب. هذه الخصوصية جنبت المغرب ما عانت منه الجزائر من سنوات المواجهة الدامية بين الجيش والإسلاميين، وجعل المغرب بعيدًا عن العمليات الإرهابية التي عانت منها كثير من دول العالم. خاصة مع سطوة الحضور البوليسي على الحياة العامة وكثرة الأجهزة ذات الطابع الاستخباراتي، وهو ما يعني استحالة، أو على الأقل صعوبة، وجود جماعات ذات أهداف إرهابية تستطيع الحفاظ على سرية نشاطها حتى قيامها بما تخطط له من عمليات تخريبية. لذلك هناك الكثيرون من يعتقدون بأن تفجيرات 16 ماي كانت تدبيرًا من أحد أجهزة المخابرات المغربية، لأهداف يختلط فيها صراع المصالح بين “الرؤوس الكبيرة” ومصالح سياسية تهدف بالأساس إلى الإطاحة بالوجود الإسلامي تحت قبة البرلمان. ما يؤكد هذا الطرح هو السرعة الكبيرة التي تم بها متابعة واعتقال المشتبهين –وصل عدد المدانين منهم إلى 1500 فرد !!- والتعسفات والخروقات القانونية أثناء التحقيقات وأثناء المحاكمات. وأيضا التضييقات التي عانى منها حزب العدالة والتنمية الإسلامي، ثم تمرير “قانون الإرهاب” عبر البرلمان بتصويت الأغلبية عليه، رغم مخالفته الصريحة لأبسط حقوق المواطن.

ما حدث بعد تفجيرات 16 ماي يدفع البعض إلى التشكيك في قضية “خلية أنصار المهدي”، واعتبار محامي أحد المتهمين بأن الملف مفبرك، خاصة مع المضايقات التي عانت منها هيأة الدفاع عن المتهمين الموقوفين البالغ عددهم 56 شخصا من بينهم أربع نساء، ومنعها من الحصول على نسخة من محاضر التحقيق. وأيضًا تزامن هذا التوقيف مع اقتراب الانتخابات التشريعية وقرب صدور عفو ملكي عن بعض المدانين في تفجيرات 16 ماي.

(حسن الخطاب) الذي تقدمه الرواية الرسمية كمؤسس وقائد لجماعة أنصار المهدي، كان مدانا بسنتي سجنا نافذا، ضمن قضية أحداث 16 ماي. أفرج عنه بعد إكماله لمدة سجنه، وخلال أقل من سنة “استطاع” تشكيل جماعته واستقطابه لعناصر من الجيش وعناصر أخرى من الشرطة والدرك الملكي. وزارة الداخلية أرادت التخفيف من هذا الاستقطاب والإصرار على أن الجيش لم يتعرض للاختراق، باعتبار أن من استقطبهم (الخطاب) لا يعدو كونهم رتباء في الفرقة الموسيقية للجيش وضباطا متقاعدين. لكن الاستنفار الذي عرفته الثكنات العسكرية وبعض ردود الفعل تدل على أن الأمر قد يكون أكبر من ذلك.

قبيل الإعلان عن تفكيك الخلية تم الإعلان عن إقالة الجنرال (بلبشير)، مدير الأمن العسكري (المكتب الخامس). صحيح أن التبرير الرسمي، كما العادة، غير متوفر، إلا أن الكثير من المحللين يرجحون أن الإقالة جاءت بسبب اختراق خلية أنصار المهدي للجيش. إلا أنه في رواية أخرى الإقالة جاءت بسبب تضارب مصالح بينه وبين نادي الجنرالات الكبار. وذلك بتحويله للمكتب الخامس إلى مديرية مستقلة باسم الأمن العسكري وامتداد مراقبته إلى أولئك الجنرالات أنفسهم بزرعه لجواسيس عسكريين في مكاتبهم. إذا كانت الرواية الأولى تذهب بنا إلى الاعتقاد بأن أنصار المهدي خلية متمايزة عن باقي الخلايا التي أوقفت سابقا، بقوتها وقدرتها على اختراق الجيش، ربما إلى مستويات لم تعلن بعد، فإن الرواية الثانية تدفع إلى الاعتقاد بفبركة الملف للإطاحة بالجنرال (بلبشير).

من جهة أخرى، قرارات مثل: إلغاء التجنيد الإجباري بقرار ملكي، ومنع رجالات الجيش من التنزه، التسوق، الصلاة… بملابسهم العسكرية يحيل إلى القراءة الأولى. أيضًا ما يدعم هذه الفرضية إقالة الجنرال (لعنيكري) من رئاسة الأمن الوطني منتصف الأسبوع المنصرم. وإن كان من الصعب إثبات أن الإقالة مرتبطة بهذه الخلية، نظرًا لتزامن هذه الإقالة مع سقوط خلية أخرى في تجارة المخدرات اتهم فيها أعضاء من الشرطة والمخابرات المدنية وحتى مدير الأمن في القصر الملكي.

(حسن الخطاب) منذ غادر السجن وهو يروج لفتاوى تكفيرية ويعبر عن رغبته في الانتقام عن سنوات سجنه، رغم ذلك لم تعره الأجهزة الأمنية كبير اهتمام، مع الإشارة إلى أنه كان خاضعا إلى مراقبة أمنية طيلة الأربع والعشرين ساعة يوميا. هذه النقطة دفعت رفاق (الخطاب) في السجن إلى التشكيك فيه، واعتباره جاسوسا أطلق سراحه لاستمالة المتعاطفين ثم الإيقاع بهم لاحقًا. ما يؤكد هذه الفرضية هو صعوبة اختراق المؤسسة العسكرية، خاصة من طرف شخص خاضع لمراقبة يومية. فكيف استطاع (حسن الخطاب) أن يؤسس خليته ويستقطب أفرادا من الشرطة والجيش في غفلة من عيون المراقبين؟ لو افترضنا أنهم تركوه يكون خليته وهو تحت نظرهم حتى ينتهي منها لينتهوا منه لكان يجب على الجنرال (بلبشير) بحكم منصبه أن يعرف بذلك، ومن ثمة لم يكن ليقال، على الأقل في هذه الفترة.

النقطة الأخرى التي تدفع للتشكيك في هذه القضية هو موقف الشرطة القضائية، إذ أنها من جهة منعت هيأة الدفاع من الإطلاع على كامل ملف القضية كما يفترض القانون، ومن جهة أخرى تعرض محامي قال بأن الملف مفبرك، إلى التحقيق معه من طرف النائب العام لوكيل الملك، رغم أن التحقيق مخالف لنص القانون المنظم لمهنة المحاماة.

أيضًا ما يدفع إلى الاعتقاد بفبركة الملف هو اقتراب موعد الانتخابات التشريعية مع التخوف المعلن من صعود الإسلاميين للحكم. وكذلك تزامن الإعلان عن الخلية مع قرب صدور عفو ملكي عن بعض المعتقلين ضمن أحداث 16 ماي.

بالعودة إلى موضوع معتقلي أحداث 16 ماي، نشير إلى أن الملك محمد السادس قد أعلن عن استيائه للخروقات التي اقترفتها الأجهزة الأمنية أثناء التحقيقات، لذلك حاول التغطية عن ذلك بالعفو التدريجي عن بعض من اعتبروا مدانين في تلك القضية. لكن المؤكد أن الأجهزة الأمنية بمقاربتها المناهضة للمد الإسلامي لم يرقها ذلك، لذلك يمكن تفسير الإيقاع بخلية أنصار المهدي برغبة قادة الأجهزة الأمنية، أولا في الحفاظ على مناصبهم، وثانيا إيهام الملك بأن الخطر الإسلامي قد يهدد سلامته شخصيا. من ضمن ما يعنيه هذا أن مطالب الأحزاب السياسية بفتح أبواب المؤسسات الأمنية والعسكرية للمتابعة من طرف البرلمان قد تلغى نهائيا أو تؤجل. مثل هذه المتابعات تقلق كثيرا بعض الجنرالات بسبب السنوات السوداء التي لطخت المغرب بالقمع والاضطهاد.

كخلاصة هناك فرضيتان محتملتان بخصوص خلية أنصار المهدي:

الفرضية الأولى تقول أن هذه الخلية مجرد فبركة قامت بها بعض الأجهزة الأمنية لأهداف تتراوح بين المصالح الشخصية الصرفة والمصالح ذات الطبيعة السياسية التي لا تبتعد بدورها عن المصالح الشخصية. ما يدفع إلى هذه الفرضية هو اعتبار (حسن الخطاب) جاسوسا أطلقته الأجهزة الأمنية للعمل على تكوين خلية يتم الإيقاع بها لاحقا في وقت محدد لتحقيق الأهداف المخطط لها. وقد لا يكون (الخطاب) فعلا جاسوسا لكنه دُفع إلى ما قام به لاستغلاله لاحقًا لتحقيق المخطط له.

أما الفرضية الثانية فهي اعتبار خلية أنصار المهدي خلية حقيقية نشأت بعيدا عن أعين الأمن وكادت فعلا أن تقوم بأعمالها التخريبية. لو أن هذه الفرضية صحيحة فهذا يجب أن يؤدي إلى الإطاحة بكثير من الرؤوس. فقيام مسجون سابق مراقب يوميا بتأسيس جماعة إرهابية واستقطاب عناصر أمنية لهو نذير بأن الحالة الأمنية في المغرب مقلقة جدًا.

عموما، ما هو متوفر حاليا هو فقط الرواية الرسمية التي قدمتها وزارة الداخلية، وهي رواية لا يمكن الاعتداد بها كثيرًا. التحقيقات الصحافية الأولية قدمت الكثير من الثغرات فيما أعلن عنه، خاصة في موضوع النسوة الأربع، المتهمات بتمويل الخلية. في هذه القضية سنحتاج إلى أن يكون القضاء عادلا جدا، مستقلا جدا، حتى نصل إلى الحقيقة كاملة. لعل هذا حلما لن يتحقق، لذلك من واجب المنظمات الحقوقية والجمعيات الإنسانية التحرك من الآن. فبغض النظر عن من سيُدان من المتهمين الست والخمسين ومن سيبرأ ساحته، فإن المتهم دائما بريء إلى أن تثبت إدانته.