الخميس 15 مايو 2008 | القسم:
منوعات وخواطر |
الردود: 3 »

رغم أنه أقل إنتشارا من مرض السكري، ضغط الدم والصداع النصفي. رغم أنه أقل وبائية وفتكا من فيروس الإلتهاب الكبدي C الذي يشاركه في أسلوب الإنتقال (العلاقات الجنسية غير الآمنة مع مصابين، نقل الدم الملوث…). رغم ذلك يحمل الأيدز (وللدقة HIV) سمعة سيئة جدًا في عدد كبير من دول العالم (خاصة العالم العربي). سمعة تجعل مجرد الحديث عنه نوعا من المحرمات (التابوهات) غير المسموح بتاتا الإقتراب منها.
هذه السمعة تدفع المحتمع إلى وصم حاملي الفيروس ونبذهم خارج المجتمع (بغض النظر عن طريقة إصابتهم بالفيروس)، مما يؤدي في الأخير بالمصابين إلى كتم الأمر وعدم الحديث عنه، ومحاولة مواصلة حياتهم بشكل طبيعي، رغم ما يشكله ذلك من خطر على الآخرين.
لننظر إلى مثال بسيط: رجل أصيب بالفيروس عن طريق عملية نقل دم غير آمنة، أو عن طريق تحاقن المخدرات، أو حتى عن طريقة علاقة غير شرعية غير آمنة.
لدينا إحتمالان: الأول هو أنه شخص واع بالقدر الكافي لإجراء فحص أيدز، فإكتشف إصابته بالفيروس. لكن المجتمع لا يرحم، لذلك لن يستطيع إخبار أحد. كذلك لن يستطيع إستخدام الواقي الذكري في علاقته الجنسية مع زوجته حتى لا تشك في أمره. هكذا سيعمل على نقل الفيروس إلى زوجته ومن ثم إلى أبنائه.
الإحتمال الثاني هو أنه لن يهتم بأمر الفحص (فالأيدز حسب إعتقاده يصيب الآخرين فقط ولن يصيبه هو). النتيجة ستكون نفس النتيجة الأولى: المساهمة في نقل الفيروس إلى مزيد من الأشخاص.
هذا مجرد مثال بسيط يوضح كيف ينتقل الفيروس بسهولة تامة، بسبب حالة الوصم المفروضة عليه. لدرجة أنه حسب تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فإن 10% فقط من حاملي الفيروس في المنطقة العربية يعلمون بذلك. أي أن 90% من بين 460 ألف حالة مقدرة في العالم العربي عام 2006 لا يعرفون بإصابتهم بالمرض ويواصلون حياتهم بشكل طبيعي عاملين على نقل الفيروس إلى أناس آخرين.
كارثة، أليس كذلك؟ بلى. لكن الحل بين أيدينا. حين يصبح الأيدز مثله مثل أي مرض مزمن آخر، وتتغير نظرة المجتمع إليه، سوف يتحول حاملي الفيروس إلى متعايشين مع الفيروس. سيتعاطون الأدوية التي ستحد من الحمل الفيروسي وستسمح لهم بمواصلة حياتهم بشكل طبيعي مع توفير سبل الآمان الكافية لكي لا ينتقل الفيروس إلى أشخاص آخرين.
الأمر ليس مستحيلا، علينا فقط أن نضع الرؤية الأخلاقية جانبا، فهي لن تساعدنا في الحد من إنتشار الفيروس. نحتاج إلى التعايش معه، التعايش مع المصابين به، وسوف نتخلص في غضون سنوات قليلة من الآفة المؤثرة سلبا على التنمية في المنطقة.
لا تنسوا، الفيروس لا ينتقل باللمس، ولا المصافحة ولا الأكل من نفس الطبق أو إستخدام نفس الحمام. فلنكف عن وصم ونبذ المصابين. لمصلحتنا ولمصلحتهم ولمصلحة المجتمع. فالنتعايش مع الأيدز.
إضافات:
الخميس 15 مايو 2008 | القسم:
منوعات وخواطر |
الردود: 3 »
سنة 1981 بدأت المصالح الصحية في سان فرانسيسكو تلاحظ أشياء غريبة، مثل: زيادة واضحة في إستهلاك عقار بنتاميدين Pentamidine النادر والموصوف في علاج حالات نادرة من الأمراض الطفيلية، وكذلك لوحظ زيادة غير طبيعية في حالات سرطان كابوزي Kaposi المعروف عنه الإنتشار في البلدان الإستوائية وليس شمال أمريكا.
لوحظ أن هذه الظواهر تنتشر وسط مدمني المخدرات في سان فرانسيسكو ولوحظ أن هؤلاء المدمنين أصيبوا بتلك الأمراض النادرة لأنهم فقدوا المناعة. أي أن أجسادهم لم تعد قادرة على مقاومة أي مرض.
بدا الأمر غامضًا آنذاك، وبدأ البحث المحموم عن السر، إلى أن أعلن العالمان جالو Gallo وجاي ليفي Jay levy عن إكتشافهما: الفيروس المتواجد في دم المصابين فيروس يفقد الجسم مناعته، فأطلقا عليه إسم فيروس نقص المناعة البشري HIV. (لكن للحقيقة التاريخية، العالم الفرنسي مونتانيي Montagnier مع رفاقه في معهد باستير كان أسبق لهذا الإكتشاف، لكن قوة الآلة الدعائية الأمريكية تكاد تسحب عنه ذلك المجد.)
لاحقًا ستظهر لفظة الأيدز ِAIDS (أو سيدا SIDA للناطقين بالفرنسية، وتعني: متلازمة فقدان المناعة المكتسبة) لتصف المرض الناتج عن الإصابة بفيروس HIV. وعلى عكس المتداول، فإن الأيدز يأتي في مرحلة متأخرة جدا، قد تصل إلى عشر سنوات أو أكثر بعد إصابة الشخص بالفيروس HIV، وهو ليس مرضًا في حد ذاته، قدر ما هو متلازمة؛ أي مجموعة من الأعراض تظهر بعد أن يفقد الجسم قدرته على مواجهة الأمراض، فيصبح أي مرض بسيط مثل الأنفلونزا كافيًا ليقود المرء إلى القبر.
فما هو هذا الفيروس، وكيف نشأ؟ ما هي أعراض الأيدز، طرق العدوى، ووسائل العلاج؟
تم التعرف على المرض لأول مرة في سان فرانسيسكو، لكن من المؤكد أنه ظهر في إفريقيا أولا. متى وأين؟ لا أحد يعرف بدقة. أقدم حالة تم التعرف عليها هي حالة بحار توفي في الكونغو سنة 1959، عثر على الفيروس في دمه. لكن بعض التوقعات تشير إلى أن الفيروس ظهر منذ بدايات القرن العشرين.
حسب المتداول لدى العامة، الـ HIV فيروس تم تخليقه معمليا في أمريكا، ثم تسرب عن طريق الخطأ أو عن قصد إلى إفريقيا. لكن هذه المعلومة بعيدة عن الصحة، فليس ثمة ما يؤكدها لا من قريب من ولا من بعيد. الأكثر إحتمالا هو أن الفيروس إنتقل من القردة إلى الإنسان. لم يتم التوصل بدقة لسبب هذا المرور عبر حاجز النوع، الإحتمالات المطروحة تتحدث عن: أكل البشر للحم قردة مصابة بالفيروس. عضة القردة. نقل دماء ملوثة من القردة أثناء تجارب حول الملاريا… إلخ.
حين يدخل الفيروس الجسم يتجه رأسًا إلى خلايا CD4 ويبدأ عمله المقيت في تحطيم قدرة الجسم المناعية. في تلك الفترة يبدأ الجسم في إنتاج مضادات لمقاومة الفيروس، فتحدث بعض الأعراض المرضية البسيطة (مثل إرتفاع درجة الحرارة) لكن المصاب بالفيروس لا يلقي لها بالا. بعد هذه الفترة الوجيزة يبقى الشخص يمارس حياته الطبيعية بشكل معتاد (وهي فترة كمون الفيروس التي تبدأ من ست سنوات ويمكن أن تمتد إلى أكثر من عشر سنوات) إلى أن يرتفع الحمل الفيروسي وينهار جهاز المناعة، عندها يدخل حامل الفيروس إلى مرحلة الأيدز فيصبح جسمه آنذاك معرضًا لكل أنواع الأمراض. هذه المرحلة يمكن أن تستمر لمدة ثلاث سنوات ثم تعقبها النتيجة الحتمية: الموت. إلا إذا أصبح حامل الفيروس متعايشًا معه ويتعاطى الأدوية اللازمة للحد من تكاثر الفيروس والتخفيف من الأعراض، ومن ثمة إطالة أمد الحياة.
طرق الإصابة بالأيدز محدودة، لذلك يمكن السيطرة عليه بسهولة، فالفيروس لا ينتقل إلا عبر: الإتصال الجنسي غير الآمن مع شخص مصاب. نقل الدم الملوث بالفيروس. إستخدام أدوات حادة ملوثة. من الأم المصابة لطفلها سواء أثناء الحمل أو الرضاعة.
وعلى عكس المعلومات المغلوطة المتداولة، فيروس HIV لا ينتقل بسبب: العطس، السعال، الدموع، الأكل من نفس الطبق، إستخدام نفس الحمام، الحشرات. كما أنه لا يعيش خارج الجسم، ويمكن القضاء عليه بالحرارة، صابون اليد، الكحول والمطهرات.
لا يوجد علاج محدد للأيدز، لكن هناك عدد من العقاقير (متوفر بعضها مجانا في بعض الدول العربية) تحد من فاعلية HIV وتمنع (أو تؤخر) الوصول إلى مرحلة الأيدز. مع هذه العقاقير يمكن لحامل الفيروس التعايش مع الفيروس بسهولة ومتابعة حياته بشكل عاد وطبيعي.