الثلاثاء 19 سبتمبر 2006 | القسم:
تحليلات وآراء |
الردود: 8 »
منذ تفجيرات الدار البيضاء الإرهابية (16 ماي 2003) أوقفت الأجهزة الأمنية المغربية ما يزيد عن الستين خلية قيل أنها تهيئ لأعمال إرهابية. تلك اليقظة الأمنية مرت بشكل عادي دون تهويل من أجهزة الإعلام، دون متابعة من البرلمان ودون اهتمام كبير من طرف رجل الشارع. لكن شهر غشت الماضي غير الوضع: وجدت وسائل الإعلام مادة متجددة تُسَود بها بياض صفحاتها، ووجد المواطنون حديثا يلوكونه في ليالي أغسطس قائضة الحرارة؛ إنها قضية “خلية أنصار المهدي” التي استطاعت اختراق الجيش ومؤسسات أمنية أخرى، بتجنيدها لأفراد من تلك المؤسسات وإلحاقها بجناحها العسكري، استعدادا –حسب الرواية الرسمية- للقيام بأعمال تخريبية ضد مصالح وطنية وأجنبية بالمغرب وكذا تنفيذ اغتيالات ذات طابع سياسي وأخلاقي. اغتيالات ذهبت جريدة أحد أحزاب الأغلبية إلى القول بأنها كان ستطال هرم السلطة في المغرب: الملك محمد السادس!
استطاع الملك الراحل الحسن الثاني أن يرسخ نوعًا من الخصوصية فيما يخص نشاط الجماعات ذات الخلفية الإسلامية، باحتكاره للسلطة الدينية عبر صفة “أمير المؤمنين”، واعتماده على نسبه، المنحدر عن خاتم الأنبياء والرسل، في كسب ولاء الشعب. هذه الخصوصية جنبت المغرب ما عانت منه الجزائر من سنوات المواجهة الدامية بين الجيش والإسلاميين، وجعل المغرب بعيدًا عن العمليات الإرهابية التي عانت منها كثير من دول العالم. خاصة مع سطوة الحضور البوليسي على الحياة العامة وكثرة الأجهزة ذات الطابع الاستخباراتي، وهو ما يعني استحالة، أو على الأقل صعوبة، وجود جماعات ذات أهداف إرهابية تستطيع الحفاظ على سرية نشاطها حتى قيامها بما تخطط له من عمليات تخريبية. لذلك هناك الكثيرون من يعتقدون بأن تفجيرات 16 ماي كانت تدبيرًا من أحد أجهزة المخابرات المغربية، لأهداف يختلط فيها صراع المصالح بين “الرؤوس الكبيرة” ومصالح سياسية تهدف بالأساس إلى الإطاحة بالوجود الإسلامي تحت قبة البرلمان. ما يؤكد هذا الطرح هو السرعة الكبيرة التي تم بها متابعة واعتقال المشتبهين –وصل عدد المدانين منهم إلى 1500 فرد !!- والتعسفات والخروقات القانونية أثناء التحقيقات وأثناء المحاكمات. وأيضا التضييقات التي عانى منها حزب العدالة والتنمية الإسلامي، ثم تمرير “قانون الإرهاب” عبر البرلمان بتصويت الأغلبية عليه، رغم مخالفته الصريحة لأبسط حقوق المواطن.
ما حدث بعد تفجيرات 16 ماي يدفع البعض إلى التشكيك في قضية “خلية أنصار المهدي”، واعتبار محامي أحد المتهمين بأن الملف مفبرك، خاصة مع المضايقات التي عانت منها هيأة الدفاع عن المتهمين الموقوفين البالغ عددهم 56 شخصا من بينهم أربع نساء، ومنعها من الحصول على نسخة من محاضر التحقيق. وأيضًا تزامن هذا التوقيف مع اقتراب الانتخابات التشريعية وقرب صدور عفو ملكي عن بعض المدانين في تفجيرات 16 ماي.
(حسن الخطاب) الذي تقدمه الرواية الرسمية كمؤسس وقائد لجماعة أنصار المهدي، كان مدانا بسنتي سجنا نافذا، ضمن قضية أحداث 16 ماي. أفرج عنه بعد إكماله لمدة سجنه، وخلال أقل من سنة “استطاع” تشكيل جماعته واستقطابه لعناصر من الجيش وعناصر أخرى من الشرطة والدرك الملكي. وزارة الداخلية أرادت التخفيف من هذا الاستقطاب والإصرار على أن الجيش لم يتعرض للاختراق، باعتبار أن من استقطبهم (الخطاب) لا يعدو كونهم رتباء في الفرقة الموسيقية للجيش وضباطا متقاعدين. لكن الاستنفار الذي عرفته الثكنات العسكرية وبعض ردود الفعل تدل على أن الأمر قد يكون أكبر من ذلك.
قبيل الإعلان عن تفكيك الخلية تم الإعلان عن إقالة الجنرال (بلبشير)، مدير الأمن العسكري (المكتب الخامس). صحيح أن التبرير الرسمي، كما العادة، غير متوفر، إلا أن الكثير من المحللين يرجحون أن الإقالة جاءت بسبب اختراق خلية أنصار المهدي للجيش. إلا أنه في رواية أخرى الإقالة جاءت بسبب تضارب مصالح بينه وبين نادي الجنرالات الكبار. وذلك بتحويله للمكتب الخامس إلى مديرية مستقلة باسم الأمن العسكري وامتداد مراقبته إلى أولئك الجنرالات أنفسهم بزرعه لجواسيس عسكريين في مكاتبهم. إذا كانت الرواية الأولى تذهب بنا إلى الاعتقاد بأن أنصار المهدي خلية متمايزة عن باقي الخلايا التي أوقفت سابقا، بقوتها وقدرتها على اختراق الجيش، ربما إلى مستويات لم تعلن بعد، فإن الرواية الثانية تدفع إلى الاعتقاد بفبركة الملف للإطاحة بالجنرال (بلبشير).
من جهة أخرى، قرارات مثل: إلغاء التجنيد الإجباري بقرار ملكي، ومنع رجالات الجيش من التنزه، التسوق، الصلاة… بملابسهم العسكرية يحيل إلى القراءة الأولى. أيضًا ما يدعم هذه الفرضية إقالة الجنرال (لعنيكري) من رئاسة الأمن الوطني منتصف الأسبوع المنصرم. وإن كان من الصعب إثبات أن الإقالة مرتبطة بهذه الخلية، نظرًا لتزامن هذه الإقالة مع سقوط خلية أخرى في تجارة المخدرات اتهم فيها أعضاء من الشرطة والمخابرات المدنية وحتى مدير الأمن في القصر الملكي.
(حسن الخطاب) منذ غادر السجن وهو يروج لفتاوى تكفيرية ويعبر عن رغبته في الانتقام عن سنوات سجنه، رغم ذلك لم تعره الأجهزة الأمنية كبير اهتمام، مع الإشارة إلى أنه كان خاضعا إلى مراقبة أمنية طيلة الأربع والعشرين ساعة يوميا. هذه النقطة دفعت رفاق (الخطاب) في السجن إلى التشكيك فيه، واعتباره جاسوسا أطلق سراحه لاستمالة المتعاطفين ثم الإيقاع بهم لاحقًا. ما يؤكد هذه الفرضية هو صعوبة اختراق المؤسسة العسكرية، خاصة من طرف شخص خاضع لمراقبة يومية. فكيف استطاع (حسن الخطاب) أن يؤسس خليته ويستقطب أفرادا من الشرطة والجيش في غفلة من عيون المراقبين؟ لو افترضنا أنهم تركوه يكون خليته وهو تحت نظرهم حتى ينتهي منها لينتهوا منه لكان يجب على الجنرال (بلبشير) بحكم منصبه أن يعرف بذلك، ومن ثمة لم يكن ليقال، على الأقل في هذه الفترة.
النقطة الأخرى التي تدفع للتشكيك في هذه القضية هو موقف الشرطة القضائية، إذ أنها من جهة منعت هيأة الدفاع من الإطلاع على كامل ملف القضية كما يفترض القانون، ومن جهة أخرى تعرض محامي قال بأن الملف مفبرك، إلى التحقيق معه من طرف النائب العام لوكيل الملك، رغم أن التحقيق مخالف لنص القانون المنظم لمهنة المحاماة.
أيضًا ما يدفع إلى الاعتقاد بفبركة الملف هو اقتراب موعد الانتخابات التشريعية مع التخوف المعلن من صعود الإسلاميين للحكم. وكذلك تزامن الإعلان عن الخلية مع قرب صدور عفو ملكي عن بعض المعتقلين ضمن أحداث 16 ماي.
بالعودة إلى موضوع معتقلي أحداث 16 ماي، نشير إلى أن الملك محمد السادس قد أعلن عن استيائه للخروقات التي اقترفتها الأجهزة الأمنية أثناء التحقيقات، لذلك حاول التغطية عن ذلك بالعفو التدريجي عن بعض من اعتبروا مدانين في تلك القضية. لكن المؤكد أن الأجهزة الأمنية بمقاربتها المناهضة للمد الإسلامي لم يرقها ذلك، لذلك يمكن تفسير الإيقاع بخلية أنصار المهدي برغبة قادة الأجهزة الأمنية، أولا في الحفاظ على مناصبهم، وثانيا إيهام الملك بأن الخطر الإسلامي قد يهدد سلامته شخصيا. من ضمن ما يعنيه هذا أن مطالب الأحزاب السياسية بفتح أبواب المؤسسات الأمنية والعسكرية للمتابعة من طرف البرلمان قد تلغى نهائيا أو تؤجل. مثل هذه المتابعات تقلق كثيرا بعض الجنرالات بسبب السنوات السوداء التي لطخت المغرب بالقمع والاضطهاد.
كخلاصة هناك فرضيتان محتملتان بخصوص خلية أنصار المهدي:
الفرضية الأولى تقول أن هذه الخلية مجرد فبركة قامت بها بعض الأجهزة الأمنية لأهداف تتراوح بين المصالح الشخصية الصرفة والمصالح ذات الطبيعة السياسية التي لا تبتعد بدورها عن المصالح الشخصية. ما يدفع إلى هذه الفرضية هو اعتبار (حسن الخطاب) جاسوسا أطلقته الأجهزة الأمنية للعمل على تكوين خلية يتم الإيقاع بها لاحقا في وقت محدد لتحقيق الأهداف المخطط لها. وقد لا يكون (الخطاب) فعلا جاسوسا لكنه دُفع إلى ما قام به لاستغلاله لاحقًا لتحقيق المخطط له.
أما الفرضية الثانية فهي اعتبار خلية أنصار المهدي خلية حقيقية نشأت بعيدا عن أعين الأمن وكادت فعلا أن تقوم بأعمالها التخريبية. لو أن هذه الفرضية صحيحة فهذا يجب أن يؤدي إلى الإطاحة بكثير من الرؤوس. فقيام مسجون سابق مراقب يوميا بتأسيس جماعة إرهابية واستقطاب عناصر أمنية لهو نذير بأن الحالة الأمنية في المغرب مقلقة جدًا.
عموما، ما هو متوفر حاليا هو فقط الرواية الرسمية التي قدمتها وزارة الداخلية، وهي رواية لا يمكن الاعتداد بها كثيرًا. التحقيقات الصحافية الأولية قدمت الكثير من الثغرات فيما أعلن عنه، خاصة في موضوع النسوة الأربع، المتهمات بتمويل الخلية. في هذه القضية سنحتاج إلى أن يكون القضاء عادلا جدا، مستقلا جدا، حتى نصل إلى الحقيقة كاملة. لعل هذا حلما لن يتحقق، لذلك من واجب المنظمات الحقوقية والجمعيات الإنسانية التحرك من الآن. فبغض النظر عن من سيُدان من المتهمين الست والخمسين ومن سيبرأ ساحته، فإن المتهم دائما بريء إلى أن تثبت إدانته.