‘انتحار مرجأ’

الهوية والمقاومة في “انتحار مرجأ”

15 يونيو 2008

هذا المقال لدي منذ عامين تقريبًا، لا أدري لم تركته في المسودات منذ ذلك اليوم! :)

الهوية والمقاومة في “انتحار مرجأ”
بقلم، الأستاذ عبد الواحد أبروح

إن هذا الإصدار الأول للكاتب محمد سعيد احجيوج، الجديد في شكله وفحواه، الموسوم بـ “انتحا مرجأ”، النص الروائي/المجموعة القصصية، رصد ساخر حد البكاء لحياة المواطن العربي المقهور داخل وطن يتيم. إنها الصيحة الإنسانية تبكي المواطن المفقود، الذي أصبح رقمًا كقطع الغيار.

هذه الرواية تجسيد للصراع بين الأمل واليأس، النضال والاستسلام.

الشخصية في النص واحدة؛ هي الإنسان المسحوق. لكنها متعددة الوجوه؛ الطالب، المناضل.. الكاتب الذي صارت الكتابة سلاحه الوحيد. إنه القلم الذي سينجز المجد أو ملحمة الإستشهاد ليصدح بروحه ضد رصاص الأباطرة فيتحول منارًا يؤجج الثورة فينا.

في ذروة المقاومة ونشوة الإنتصار يستنتج هذا البطل بعد المعاناة والرفض الملون أن “أسباب مأساتنا أننا لا نعرف أسباب مآسينا” ثم تنتهي الرواية بمشهد سينمائي يموت فيه، في الظاهر، المناضل الخفي، الطالب المجهول.. وتستمر سنوات الرصاص في البلاد ويتواصل الصمت والقهر. ثم ينهي العرض بقصيد لاهب يحترق الجسد فيه فتنبعث الروح من جديد.

رغم الحجم الصغير لهذا النص الأدبي إلا أنه وثيقة إدانة كبرى تكشف ما أصابنا. وما ألم بالوطن العربي ذات يوم.

إنه يتسم من ناحية الشكل بالتميز لكونه غوص في معاناة الكتابة ذات سياق يطور أسلوب الحكي السائد وينسج لغة شاعرية مأساوية ومؤثرة.

كصاعقة نزلت لكي تشرب

29 مارس 2007


أكمل قراءة قصتها ونظر إلى السؤال المستكين بين شفتيها، وشبح لهفتها يرقص حول نيران فضولها.

- ما رأيك؟
- مفاجئة لي أنت دوما –في تجددك- كأمطار الصيف، كعاصفة ثلجية.. كصاعقة نزلت لكي تشرب!

تبتسم فتتوقف الكواكب عن دورانها. تلتمع عيناها وتقول: لغتك حصان جامح غير مروض. تشعرني دوما بالعجز أمامك… أتساءل من أي نبع تغترفها؟

يرد سريعا كأنما كان ينتظر سؤالها منذ دهر: من عينيك جميلتي.

تحمر وجنتاها كما عادتها، وتسحب كفها من يديه:

- ما زلت طفلا نافذ الصبر…
- ما زلت غزالا شاردا…

تقاطعه بضحكة صافية، وتنظر إلى ساعتها: فلنغادر الآن. تأخرنا. ربما سأكمل القصة الليلة.

(عن روايتي: انتحار مرجأ)

متاهات الذات الإنسانية في انتحار مرجأ

27 يناير 2007

متاهات الذات الإنسانية في “انتحار مرجأ”
بقلم: فاطمة واياو / أسبوعية (لاكرونيك). السبت 27 يناير 2007

قصص.. رواية… هل هي حيرة الكاتب أم حيرتي أنا في التصنيف؟ أم أنه منحى مقصود أراد من خلاله المبدع الشاب محمد سعيد احجيوج أن يكسر التصنيف المتوارث للأجناس الأدبية وأن يجعلنا بالتالي نعيش مغامرة اكتشاف نصوصه تارة عبر الحبكة الروائية وتارة عبر سرد قصصي استطاع من خلاله أن يوقف عقارب الزمن لنعيش لحظات من عشق ممزوج بالحرقة والحسرة والألم على درب نضال مستميت من أجل لغة جديدة، رؤية مغايرة وواقع أفضل.

بالانتقال بين سطور نصوص الكاتب احجيوج نجد أنفسنا مأخذوين بدهشة الاكتشاف لعالم سفلي ننغمس فيه عنوة لكننا نتجاهل التواصل مع ساكنيه وهو ما استطاع الكاتب وبذكاء وصفه، حيث حقق اندماجا مع الشخصيات التي وإن بدت معتوهة إلا أنها تنطق بالحكمة وتمارس أفضل أنواع التعقل والتأمل في واقع انقلبت فيه الموازين وأصبح أفضل فلاسفته المشردين والمعتوهين.

الخروج من اللغة والخروج من الزمن وكذا الخروج عن المألوف، بهذه التقنيات الإبداعية المغايرة أراد محمد سعيد احجيوج أن يؤسس لشكل سردي مغاير ليمنح لأبطاله فرصة ليتخلصوا من عزلتهم، من هذيانهم ومن قيود نمطية مستهلكة.

في (انتحار مرجأ)، (قصة مملة)، (كلنا حمير يا أبي)، (الجاثوم)، (ساعي البريد لا يعرف العنوان) و(ضوء القمر) نلحظ أن هناك خيطًا رفيعًا يجمع بين الأحداث لتصبح رمزًا للقطيعة مع العالم حيث ينزلق الإنسان إلى عالم عميق ينفصل من خلاله عن المجتمع القمعي الذي يمارس الإقصاء، ويجعل الإنسان مشلولا منجرفًا إلى الانتحار والجنون أو إلى إنسان منطوي على نفسه تحكمه هواجس الخوف وكوابيس القلق.

إن هاجس الفضح والإعتراف والإدانة لم يمنح فرصة للكاتب أن يستجيب في سرده لتقنيات الحكي والإيحاء، لكننا نشعر ونحن نقرأ باكورة إبداع محمد سعيد احجيوج بصوت إبداعي يصدح من بين أنقاض هذا السديم الراكد ويلوح في الأفق بميلاد مبدع يبحث عن طريق معاكس، ورؤية مغايرة وأسلوب متميز. لقد جعلنا الكاتب من خلال عمله هذا نعيش التضاد عبر ثنائية التقابل بين الحلم والحقيقة، بين المتخيل والواقعي، بين الموت والحياة، بين العقل والجنون.

إن الحديث عن رؤية مغايرة لا يعني بالضرورة الانفصال عن الهموم الإنسانية المشتركة والأغراض الإنسانية الدائمة، كالحب والكراهية والموت والألم والجنون والقمع… وهو ما أحسن الكاتب أن يبرزه في نصه الروائي القصصي، الذي يمكن اعتباره خطوة متميزة على طريق إبداعي طويل وزاخر نتمناه للمبدع الشاب، والذي أخرج في شكل أنيق بغلافين تشكلا من لوحتين معبرتين للفنانين العالميين (كاندتسكي) و(دالي).

مزيدًا من التألق، والحضور والإبداع للكاتب محمد سعيد احجيوج في كتابات إبداعية لم تكتب بعد.