‘المغرب’

حرية الصحافة: Game Over

6 نوفمبر 2008

بعد الحكم الإبتدائي السابق ضد جريدة المساء المغربية، صدر قبل أيام حكم الإستئناف ليؤكد الحكم الإبتدائي ضد الجريدة (*) وتم أمس بدأ تنفيذ الحكم بمصادرة ممتلكات الجريدة الفتية وحسابها البنكي وكذلك الحساب البنكي لمدير النشر. وهو ما يعني عمليا الحكم بالإعدام على الجريدة.

ربما الجريدة لن تتوقف نهائيا، فمنذ الحكم الأول عرض بعض قراء الجريدة من الميسورين أداء كامل مبلغ الغرامة المطلوبة. لكن طبيعة الحكم وطريقة التنفيذ مع ضغوطات سابقة، مؤشرات تقول بوضوح أن نهاية الجريدة قد حانت، والدولة المغربية مصرة على إيقافها بأي طريقة كانت.

عديد من القراء لهم الكثير من الإعتراضات، الشكلية، على جريدة المساء وطريقة معالجتها لبعض القضايا. لكن هذا لا يمنعهم من الإتفاق على حقيقة أن المساء حققت إنجازا كبيرا بأرقام مبيعاتها الكبيرة -وطنيا- وحركت مياها آسنة يريدها البعض أن تبقى كذلك.

هذا الحكم ضد جريدة المساء، غير المتفق أبدا مع حجم الخطأ، لا يعني سوى شيء واحد لا غير: المغرب يعيش حالة مستعصية من “الفصام”. الملك في خطبه يتحدث عن الإنفتاح والإصلاحات والتغيير. وفي نفس الوقت، كل المؤشرات تدل على العكس. فهل المغرب في حاجة إلى طبيب نفساني؟

بالتأكيد ليست المساء أيقونة لحرية الصحافة في المغرب، فهناك من سبقها، لكن هذا الحكم يقول لمن تسول له نفسه الكشف عما خفي: اللعبة إنتهت. لا حرية للصحافة بعد الآن.

__________________________
(*) هنا إشكالية قانونية: هل الحكم ضد الجريدة كمؤسسة صحفية أم ضد مدير النشر بإعتباره الصحفي الذي كتب المقال المتابع؟ لو أن الحكم ضد الجريدة فلماذا تم الحجز على الحساب البنكي للمدير ولو أن الحكم ضد الصحفي فلماذا تم الحجز على الجريدة رغم أن قانون الشركات في المغرب يفرق بين الأمرين!

إنهيار الأحلام

3 نوفمبر 2008

1. الوظيفة أولا

قبل أيام ذهبت لبنك قريب لأداء إيجار البيت (لست من يقوم بذلك عادة)، وتفاجأت بصديق دراسة قديم لم أره منذ سنوات يعمل هناك. إستغربت ماذا يفعل هنا في هذه الوظيفة المملة التعيسة، وهو كما أذكره كان من التلاميذ المتفوقين. حسنًا، إنتظر الأغرب: أي صديق أقابله من زملاء المرحلة الثانوية أسأله عن وظيفته يجيب كما لك أن تتوقع بأنه يعمل في بنك! ليس مديرا طبعا، بل مجرد موظف عادي جدا يجلس على كرسي طيلة النهار يستقبل العملاء يأخذ منهم أو يسلمهم أوراقا مالية لم يعد بإمكانه، مع وظيفته تلك، أن يحلم بإمتلاكها يوما.

سبب الإستغراب يعود إلى أننا درسنا في المرحلة الثانوية في تخصص الرياضيات، وهو لو تعلمون كان تخصص النخبة. كانت لكل منا أحلام كبيرة، كبيرة جدا. يوم تخرجنا من الثانوية ذهب كل منا لدراسة التخصص الذي يحب (أغلبنا). فماذا حدث خلال السنوات الأربع أو الخمس الأخيرة حتى يتحول “المهندس” إلى مجرد موظف محدود الدخل والأحلام؟

على رأي هاملت: شيء ما فاسد في المملكة. (مملكة الدنمارك طبعا!)

2. الهجرة السرية

صديق عرفته لمدة خمس سنوات، خلال إشتغالي مدرسا للكمبيوتر، علمت مؤخرًا أنه هاجر إلى إسبانيا. دخل بتأشيرة سياحية وبقي هناك مهاجرا سريا. لا أفهم لماذا فعل ذلك. ما أعرفه عنه أن راتبه كان مناسبا ويسمح له بحياة لا بأس بها كما أعرف أن له أحلاما إكتشف باكرا إستحالة تحقيقها في وطنه.

ليست هذه الحالة الوحيدة. لك أن تقرأ الأخبار كل يوم وستجد دائما قصة شاب باع كل ما يملك وإقترض ليوفر بضعة ملايين من السنتيمات يدفعها لسمسار يوصله إلى أوروبا. هو يدرك جيدا أن السمسار قد يخدعه ويجد نفسه في بطن الأسماك عوض الضفة الشمالية. يدرك أنه حتى لو نجح في الوصول فسيحتاج إلى أن يعمل طول اليوم ويوفر كل مبلغ يحصل عليه لسنتين أو أكثر حتى يرد المبلغ الذي إقترض. يعرف أنه سيعيش متشردا، سيتلقى الإهانات، سيعمل في مهن لم يكن ليشتغل فيها في وطنه. يدرك كل ذلك لكنه رغم ذلك يراهن بحياته، بكبريائه.. بكل شيء لكي يغادر “وطنه”.

لماذا؟

على رأي هاملت: شيء ما فاسد في المملكة. (مملكة الدنمارك طبعا!)

الإخلال بالاحترام الواجب للوطن

1 نوفمبر 2008

لا يكاد يمر شهر دون أن نسمع عن محكمةمن محاكم المملكة تتابع شابا أمامها بتهمة الإخلال بالاحترام الواجب للملك. منذ عهد الحسن الثاني والمتهمون بهذه الجريمة يمرون أمام محاكم المملكة وينتهون في السجن. أحدهم لم يكن سوى تلميذ في قسم للإعدادي طلب الأستاذ منه، ومن زملائه، أن يحكوا له عن الأحلام التي رأوها مؤخرا. فلما جاء دور التلميذ لكي يروي حلمه، وقف وقال بأنه رأى فيما يرى النائم أن النظام في المغرب قد سقط. فهزها الأستاذ «سخونة» للمدير والمدير هزها بدوره قبل أن تبرد في يده إلى القائد والقائد إلى الباشا والباشا إلى العامل. وهكذا وجد التلميذ نفسه أمام القاضي يستجوبه عن هذا الحلم اليساري المتطرف الذي تجلى له في المنام. وكأن التلميذ كان عليه أن يبلغ عن نفسه لدى الشرطة بمجرد تورطه في هذا الحلم الذي زاره دون إرادته، حتى يتبرأ منه ويثبت حسن أحلامه، حتى لا نقول حسن نيته.

ورغم أن القاعدة الأصولية تقول بأن القلم مرفوع عن النائم حتى يستيقظ، إلا أن القانون المغربي لا يعترف، عندما يتعلق الأمر بالملكية، لا بالشواهد الطبية التي تثبت جنون وحمق الذين يقلون على الملك الاحترام، ولا بأحلام العاقلين النائمين منهم. فتم الحكم على التلميذ بالسجن النافذ. والعجيب أنه في الماضي كان المتهمون في مثل هذه القضايا يمثلون أمام القضاء مساندين بمحاميهم، وليس مثل اليوم حيث يحكم القضاء عليهم في أول جلسة دون تمتيعهم بحق الدفاع. وهكذا تدخل محامي التلميذ وقال للقاضي بأنه عندما يرسل تلميذا في السادسة عشرة من عمره إلى السجن فإنه يحرم المجتمع من مواطن كان يمكن أن يكون في المستقبل طبيبا أو مهندسا أو حتى رئيس دولة. وهنا وقفت للقاضي قرون الاستشعار بمجرد سماعه للمنصب المستقبلي الذي قد يحتله التلميذ. وبما أن نظام الحكم في المغرب ملكي، ولا يسمح لأي فرد من أفراد الشعب بأن يطمح لأن يكون في يوم من الأيام رئيس دولة، فقد أمر القاضي باعتقال المحامي ومحاكمته بسبب مجرد تخيله إمكانية تطبيق النظام الجمهوري ذات يوم في المغرب. وحكم عليه بسنتين سجنا نافذا، وهكذا كان قدر التلميذ أن يغادر السجن قبل محاميه.

واليوم، والمغرب يقترب من إقفال السنة العاشرة على انطلاق العهد الجديد، تصدر المحكمة حكما بالسجن في حق شاب في الثامنة عشرة من عمره لسنة ونصف، قبل أن تقرر متابعته في حالة سراح، لأنه كتب على الحائط شعار المملكة، وعوض شعار الملك فيه بشعار «البارصا».

الحكم اعتبره الجميع في المغرب قاسيا جدا، وكان يمكن أن يعالج بطريقة أخرى أقل تشنجا. أما جيراننا الإسبان فقد فقدوا صوابهم وجن جنونهم. خصوصا محبو فريق «البارصا». وذهبت إدارة الفريق البرشلوني إلى حد منح التلميذ ياسين بلعسل جواز سفر رمزي. ففي إسبانيا هناك ديانة يمارسها الملايين بخشوع عميق وهي كرة القدم. ويمكنك في إسبانيا أن تسب وتشتم الملك خوان كارلوس وعائلته وجذوره أجمعين، لكن عليك أن تنتظر الزوابع والتوابع إذا أنت غامرت وشتمت «البرصا» أو «ريال مدريد». فكرة القدم هي المقدس الوحيد عند الإسبان. وفي الوقت الذي تقفل الكنائس أبوابها بسبب ندرة المصلين تبني الدولة المزيد من الملاعب لاستيعاب ملايين المتعبدين في المدرجات والمتهجدين بترتيل الأناشيد الرسمية للفرق الكروية.

ولعل الجميع لاحظ أن العدالة المغربية بسقوطها في فخ إصدار هذه الأحكام المفرطة في القسوة في قضايا الإخلال بالاحترام الواجب للملك، ساهمت في إضفاء مسحة من السخرية السوداء على القضاء المغربي.

فسمعنا الشاب المغربي المتابع في قضية «البارصا» يقول بأنه لم يكن يقصد بما كتب ملك المغرب وإنما ملك الجزائر. فنبهته المحكمة إلى أن الجزائر لديها نظام جمهوري وليس نظام ملكي. ولو أنني أختلف مع المحكمة الموقرة فيما ذهبت إليه بخصوص النظام الحاكم في الجارة الجزائر. فلا هو نظام جمهوري ولا هو نظام ملكي. خصوصا أن الرئيس بوتفليقة يستعد للجلوس على عرش قصر المرادية لولاية ثالثة على التوالي. وحتى إذا تخلى عن الرئاسة، أو تخلت عنه، سيرثها من بعده أحد رجالات الجيش الأقوياء.

وما قاله الشاب المتابع في قضية «البارصا» بخصوص ملك الجزائر، يشبه كثيرا تلك النكتة التي انتشرت في عهد الحسن الثاني، والتي تقول أن شابا أحمق هرب من البيت إلى الشارع وبدأ يشتم ويسب الملك. ولأن والدته كانت خائفة عليه من الاعتقال والمحاكمة بتهمة إهانة المقدسات، رغم شواهده الطبية التي لن تنفعه أمام القاضي، فقد كانت تركض خلفه وتصرخ ملء صدرها كلما أطلق ولدها شتيمة في حق الملك قائلة «وتاع صبانيا تاع صبانيا». وهكذا ظلت الأم المسكينة تركض وراء ابنها ناشرة هذا التوضيح في كل الأماكن التي يطلق فيها هذا الأخير شتائمه المجنونة، حتى تحميه من شر المتابعة.

وإذا كانت هذه الحكاية يرددها المغاربة على سبيل النكتة، فإن أحكاما قضائية صدرت مؤخرا تفوقت على هذه النكتة، بحيث تستحق أن تدرج في كتاب خاص بالأحكام الغريبة يكون عنوانه «غير شد كرشك وضحك».

وأحد هذه الأحكام هو الحكم على سيدة وقفت أمام المحكمة تطلب الطلاق بستة أشهر سجنا نافذا، لأنها قالت للقاضي عندما سألها عن أسباب طلبها للطلاق بأن زوجها لا يهز ولا يحط، وأنه يبقى في البيت طيلة النهار واضعا رجلا فوق رجل «بحال شي ملك». وهكذا لم ينفع القضاء ولا مدونة الأسرة الزوجة في التخلص من زوجها الكسول، وإنما زوجها الكسول هو الذي تخلص منها بعد أن أرسلها القاضي إلى السجن بتهمة الإخلال بالاحترام الواجب للملك. مع أن ما قالته الزوجة ليس فيه أي قصد للإساءة إلى الملك، كما أنها لم تحدد عن أي ملك من الملوك تتحدث، فعددهم في العالم كبير. كما أننا لا نعرف هل تتحدث عن الملك كمنصب سياسي أم الملك كمنصب فخري كملك الجمال أو ملك كمال الأجسام.

وفي الوقت الذي ينشغل فيه القضاء والإعلام بمتابعة المتورطين في تهمة الإخلال بالاحترام الواجب للملك، لم نسمع إلى حدود اليوم وكيلا للملك يتابع مسؤولا واحدا بتهمة الإخلال بالاحترام الواجب للوطن. مع أن الوطن هو أحد المقدسات الثلاثة التي ينص عليها الدستور في ديباجته.

وعندما نطالع بلاغ وزارة الداخلية الذي تتحدث فيه عن مبلغ850 مليون سنتيم التي وفرتها الدولة لمساعدة منكوبي الفيضانات، ثم نستمع إلى رئيس مجلس العيون وهو يتحدث في ندوة بالدار البيضاء عن تخصيص مبلغ 600 مليون، أي نصف المبلغ الذي رصدته الدولة لضحايا الفيضانات، لمهرجان «روافد أزوان»، نفهم المعنى الحقيقي للإخلال بالاحترام الواجب للوطن.

عندما نرى كيف خصص السيد مزوار وزير المالية مبلغ 23 مليون درهم في قانون ماليته للسنة المقبلة لميزانية عشب الغولف الملكي بالرباط، الذي يأتي إليه علية القوم لدحرجة كراتهم نحو الحفر وتسلية أنفسهم، ونقارن بين هذا المبلغ السخي ومبلغ 580 مليون سنتيم التي خصصتها الدولة لإنقاذ عشرات الآلاف من المنكوبين ومواساة العشرات من القتلى والمفقودين داخل حفر حقيقية هذه المرة وليس حفر الغولف الضيقة، نفهم المعنى الحقيقي للإخلال بالاحترام الواجب للوطن.

عندما نرى كيف يمنح عمدة الدار البيضاء، محمد ساجد، مبلغ 580 مليون سنتيم للمخرج السينمائي نبيل عيوش لكي يبني قاعات سينمائية في الأحياء الشعبية بالدار البيضاء، ونقارن بين هذا المبلغ الذي أخذه شخص واحد وبين مبلغ 850 مليون سنتيم التي ستوزع على الآلاف من المواطنين لإعادة بناء مساكنهم المدمرة في طنجة والناظور والراشيدية وميسور وغيرها من المناطق، نفهم المعنى الحقيقي للإخلال بالاحترام الواجب للوطن.

عندما تتبرع دولة أجنبية كإسبانيا على صندوق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية هذا الأسبوع بمبلغ 200 مليار سنتيم (200 مليون أورو)، ونرى كيف «تتبرع» الدولة والحكومة المغربية على مواطنيها بهذا المبلغ التافه، الذي لا يساوي حتى ميزانية مهرجان سخيف من المهرجانات التي تعج بها المملكة، نفهم المعنى الحقيقي للإخلال بالاحترام الواجب للوطن.

لكن للأسف قلة الاحترام هذه في حق الوطن لا تستحق من أية جهة قضائية متابعة المتورطين فيها. فالوطن من كثرة ما أهينت كرامته ومرغت في الوحل أصبح متعودا على السماح في حقه. ولذلك نجح كل هؤلاء الذين يهينونه ويقلون احترامهم عليه يوميا في جعل ثلاثة ملايين من أبنائه يغادرونه من أول فرصة أتيحت لهم. والبقية يحلم جزء كبير منها بهذا «الفرار الكبير» كل ليلة.

وكما أننا لا نقبل أن يهان الملك أو يقلل أحدهم من الاحترام الواجب لشخصه، فإننا لا نرضى أيضا أن يهان الوطن ويهان أبناؤه باستصغار معاناتهم وازدراء أرواحهم وأرواح أبنائهم. أما الله تعالى فقادر أن يتولى من يهين اسم جلالته بعقابه أو رحمته التي وسعت كل شيء.

المصدر: رشيد نيني. جريدة المساء (الجمعة 31 أكتوبر 2008)

الله.. الوطن…

27 أكتوبر 2008

أن تكون طفلا لا يملك القدرة على تقدير الأمور أو أن تكون عجوزًا لم يعد يملك من الإتزام العقلي شيئًا.. لا فرق. لا فرق أمام الجملة البليغة التي يدمنها بعض القضاة المغاربة: “الإخلال بالإحترام الواجب للملك”، ودائما الملك نفسه وصورة الوطن يكونان ضحية بجانب من نطق في حقه ذلك الحكم.

كعينة من هذه الأحكام لاحظوا محتوى هذا البيان الذي أصدرته الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان قبل يومين (تبريز النص إضافة شخصية):

أعربت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان اليوم [25 أكتوبر] عن استنكارها الشديد للحكم الصادر من محكمة مراكش المغربية بسجن التلميذ ياسين بيلاسال (18سنة) وهو تلميذ ثانوي بإحدى مدارس مراكش بسبب كتابته شعار “الله، الوطن، البارصا” -نسبة لفريق برشلونة الأسباني لكرة القدم- على سبورة الفصل بدلا من شعار “الله، الوطن، الملك”.

وكان مدير مدرسة قرية “ايت اورير” قد دخل الفصل الذي يدرس به التلميذ ياسين بيلاسال أثناء كتابته لهذا الشعار، وبدلا من أن يناقشه أو يلومه أو حتى ينهره، سارع بإبلاغ الشرطة، التي حولته بدورها للنيابة العامة ، لتقوم بدورها وبسرعة شديدة بتحويله للمحاكمة، دون محامي أو إخطار لأسرته، حيث قررت المحكمة حبسه لمدة عام ونصف بتهمة “الإخلال بالاحترام الواجب للملك”!.

وتساءلت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان “هل ما أتاه التلميذ ياسين جريمة؟ وهل سجنه هو الحل لسلوك كهذا؟ وهل تحول مديري المدارس إلى مخبرين وواشين ضد الطلاب؟ إن الوصف الذي نعتوا التلميذ ياسين به –مجرم – ينطبق على كل من ساهم في سجن هذا التلميذ، إنهم يقتلون في نفوس الطلاب قيمة الحوار واحترام حرية التعبير، يجب الإفراج عن ياسين فورا وبلا إبطاء”.

صفيح.. وقصدير!!

27 أكتوبر 2008

توجد على مقربة من الرباط، في عالية واد أبي رقراق مزبلة عمومية منفرة مشينة. ترعى فيها الأبقار. ويقوم بجوارها تجمع سكني صفيحي صغير يؤوي بضع عشرات من السكان. أطفال في أسمال، يلعبون في عرض طريق من تلك الطرق الثانوية المهملة، التي لا يمر بها المسؤولون قط. الناس يأوون ههنا، إلى أكواخ مهدمة، قد اتخذوها من الألواح والصفيح.

(…) على بعد بضع مئات الأمتار من السكن الصفيحي، يقوم، في تلة، قصر لأمير عربي (سعودي) فوق هضبة؛ ما يمنح المطل منه نظرة جامعة رائعة. ويحيط بهذا القصر سور وقائي من مئات الأمتار. الناظر من هذه الهضبة يشرف ببصره على مدينة سلا، ويحيط بالوادي، وبالبحر نفسه، عند مصب الوادي. لكنه لن يرى يقينا السكن الصفيحي، ولا المزبلة؛ إذ تحجبهما هضبة أخرى… ينعم رواد هذا القصر بعيشة النعيم. فلأجل ذلك يقصدونه. الآخرون يحتاجون إلى الترويح عن النفس. وإذا تهيأ للواحد منهم البيترودولار، صار عنده كل شيء ممكنا. لكن لا داعي لأن نلوم هؤلاء الميليارديرات الأجلاف. ولندعهم ينفقون أموالهم كما يحلوا لهم. فقد منعوا في بلادهم من كل شيء فماذا يصنعون؟ ففي بلادهم تقطع يد السارق، ويجلد الشارب ويرجم الزاني… وماذا يفعلون هنا؟ إنهم يرشون الخمر على سمك الطرخوات، لينعموا بلحمه الندي. ويجرعون قناني الويسكي بلا حساب طلبا للمتعة. ويزدردون الطعام ازدرادًا، وهم مقتعدون الأرض، إذ يجهلون بآداب الأكل (والمائدة والشرشف)! عند الأناسي. الواحد منهم يلتهم كيلوغرامات من اللحم المشوي وهو مقتعد زربية يحاكي ذئبا من الذئاب… هل هي عادة قديمة من عاداتهم في الصحراء؟ لا شك في ذلك.

والسكن الصفيحي؟ والمزبلة؟ إنهما لا يزالان قائمين في مكانهما… من يهتم لأمرهما! فلنمض، ولنتركهما، إلى أمر آخر.

في بلادنا مثيلات لهذه المناظر، يذهل لها المرء! آخر سكن صفيحي رأيته في فرنسا كان في نانتير على عهد جورج بومبيدو. فما عاد لمدن الصفيح وجود في هذا البلد. (…) وأما السكن الصفيحي الذي في المغرب فهو حديث عهد بالنشوء. لكن هذه الظاهرة الجديدة تجدرت وتأصلت في هذا البلد، حتى عمت هوامش المدن وضواحيها… فلا تلبث أن تصل إلى البادية. غير أن من المدن ما يخلو من هذه الظاهرة، كالصويرة وتيزنيت وتارودانت وتافروات. السكن الصفيحي جرح حديث. لكنه جرح بلغ من التعفن ما أعجز دولا كثيرة علاجه. أدواء تطالعك سافرة، في هذا الأكداس من الخشب والقصدير، وفي هذه الحشود من الأطفال المتخبطين في مجاري المياه الآسنة، الناقلة جراثيم، وفي هذا البؤس القاتل الذي لا يلوح ما يبشر بنهايته، الآخذ، دوما، في الاتساع لا يفت في وتيرته تبدل الفصول. ليستقر في قلب المدن الصناعية أو التي يزعم لها أنها مدن صناعية. بجوار دارات فخيمة، قد بلغ منها البذخ ما يعجز عنه الوصف. فإذا قام السكن الصفيحي في موضع مكشوف للناظرين، يسور بحائط عال يسمى بكل بساطة حائط العار، لأن الناس يريدون أن ينسوا أنه موجود، كفعلهم بالقمل، والجرذان وسائر الحشرات الكريهة. إنهم لا يقبلون بالأقذار في بلدنا. ينبغي أن يكون نظيفا على الدوام! لا ينبغي أن تطلب الرحمة أو التكافل داخل هذا المجتمع! فقد جُعل في صورة بحيث لا يفكر الواحد من أهله إلا في نفسه. تلك سيادة الأنانية. المجتمع قاس لا يرحم.

محمد خير الدين، يوميات سرير الموت. دار جذور للنشر، الطبعة الأولى: 2004. صفحات: 35، 36، 37، 38.

الأمطار تكشف الهشاشة المغربية

27 أكتوبر 2008

منذ أسبوع تقريبًا وبعض مناطق المغرب تعرف تساقطات مطرية عاصفة، ولأنه لا توجد في المغرب معارضة سياسية حقيقية للكشف عن الهشاشة التي تعرفها كل القطاعات، فإن الأمطار تفضلت عن طيب خاطر بإظهار كيف أن المغرب لو واجه عاصفة مطرية تستمر لنصف يوم فقط دون توقف فسوف يغرق تماما.

الحركة في العاصمة الإقتصادية توقفت، الطرق المؤدية إلى المنطقة الشمالية أغلقت، القناطر والطرق تنهار، المنطقة الصناعية في مدينة طنجة غرقت تماما، ولم يعد بالإمكان إعادة تشغيل أغلب مصانيعها قبل أسابيع عديدة، خسائر في الأرواح ما يزال الغموض يلف عددها الحقيقي، الدراسة والعمل توقفت لمدة يومين… إلخ.

والأطرف هو أن مبنى مجلس المستشارين في العاصمة الرباط الذي إستغرق بنائه سنوات وأفتتح قبل أيام قليلة فقط، أراد أن يلعب دور الغربال فترك مياه الأمطار تتجاوز سقفه! وهو الدور ذاته الذي لعبته المحطة الثانية في مطار محمد الخامس الدولي في الدار البيضاء.

توقعات مديرية الأرصاد الجوية تقول بأن هذه الأمطار الغزيرة يمكن أن تستمر هذا الأسبوع أيضًا. ولو شاء الله أن تسقط الأمطار ليوم كامل دون توقف، فسوف تختفي كل أشكال الحضارة المعاصرة من المغرب. أبالغ؟ طبعا أبالغ. ما دام السياسيون يبالغون في التفاؤل، الكذب، الغش، السرقة، من حقي أن أبالغ في التشاؤم!

المغرب وسياسة الحلول الترقيعية: الحريرة ومليون حقيبة

9 سبتمبر 2008

كما العادة المغربية الأثيرة (لعلها عادة مشتركة بين كل العرب) بعدم البحث عن أسباب المشاكل ثم حلها جذريا والإكتفاء فقط بحلول ترقيعية تغطي مؤقتًا وجه تلك المشاكل بمساحيق تجميلية فاقعة، أطلق الملك (محمد السادس) مبادرة توزيع مليون محفظة مدرسية بكل لوازمها لتلاميذ المرحلة الإبتدائية المحتاجين، بهدف الحد من عمليات الإنقطاع عن الدراسة -أو الهدر المدرسي كما تحب التلفزة المغربية تسميتها- المنتشرة وسط الأسر الفقيرة جدا.

كأن السبب الوحيد للإنقطاع عن الدراسة هو غلاء الكتب المدرسية! هو غلاء فضيع فعلا ولا يمكن بأي حال تجاهله. لكن الأب الذي يجد نفسه مجبرًا على إيقاف تعليم أبناءه لا يفعل فقط لأن الكتب غالية الثمن، بل يفعل لأن غلاء المعيشة ككل فوق ما يحتمل فيضطر إلى إرسال أبنائه للعمل بدل المدرسة لمساعدته على تغطية تكاليف الحياة المتزايدة يومًا بعد آخر. فهل الحل هو توفير أدوات مدرسية مجانية -قد لا تصل بالضرورة لمن يحتاجها حقًا- أم توفير مصدر دخل أفضل لرب الأسرة؟

ثم إن عددا مهولا من الخريجين، من مختلف التخصصات والمستويات الدراسية، بدون عمل. لسببين لا غير: ما تعلموه لا يتناسب مع متطلبات سوق الشغل. ومناصب الشغل محدودة. أليس من الأجدى توجيه المبالغ التي يتم تبذيرها في الحلول الترقيعية إلى بناء بنيات تحتية ومصانع لخلق مناصب شغل للعاطلين وتوفير إمكانيات قروض مالية غير ربوية لحاملي المشاريع من الشباب؟

بعد فترة قصيرة من توليه الحكم أطلق الملك مبادرة توزيع بعض المؤن الغذائية والشربة الرمضانية “الحريرة” للمحتاجين في شهر رمضان. إستمرت التجربة ثلاث سنوات (على ما أذكر) ثم توقفت دون أن تحقق أي تنمية! مبالغ خرافية صرفت في توزيع سمك مجاني وقد كان الأجدى تعليم المحتاجين كيف يصطادون بأنفسهم وتوفير بحار مناسبة للصيد.

بعد فشل هذه التجربة أطلق الملك مرة أخرى (دائما الملك، الحكومات المغربية لا عمل لها سوى إستنزاف المزيد من أموال دافعي الضرائب في تفاهاتها الخاصة) برنامجا سمي بـ “المبادرة الوطنية للتنمية البشرية”. ومرة أخرى نفس الأخطاء. مبالغ خرافية تصرف في البهرجة والدعاية والترقيع، والمشاكل الحقيقية تبقى على حالها.

متى سيتغير هذا الوضع؟ وهل هناك أصلا إرادة حقيقية في تغيير الوضع، القضاء على الفقر وإطلاق تنمية حقيقية في المغرب؟ أشك.

الملاحظ أن ما يقدم عليه الملك هو أصلا نشاطات يقوم بها بعض الميسورين والجمعيات المحسوبة على التيارات الإسلامية. فتوزيع المؤن الغذائية في رمضان عمل إجتماعي تقوم به عدد من الجمعيات، وحين قام الملك بإطلاق مبادرته بعد فترة من توليه الحكم إنما فعل لثبيت صلاحيته كـ “أمير للمؤمنين” ولسحب بساط العمل الإجتماعي من الجمعيات الإسلامية وليحصل على لقب “ملك الفقراء”. توزيع اللوازم المدرسية عمل يقوم به أيضًا بعض الميسورين وليست هناك حاجة لتخصيص ميزانية ضخمة لنفس العمل في الوقت الذي يمكن فيه إستغلال تلك المبالغ المهدورة في أعمال تحل مشاكل الفقر بشكل جذري.

إعتقال مدون مغربي: ضحية أخرى لوهم حرية التعبير

9 سبتمبر 2008

لأن المقدسات في المغرب كثيرة.. كثيرة جدًا أكثر مما يمكن أن يتصور المرء، فإن الخطوط الحمراء التي تحيط بحرية التعبير هي أكثر تداخلا وتشابكا من خيوط الليزر غير المرئية المستخدمة في بعض أجهز إنذار حماية الممتلكات القيمة جدًا.

محمد الراجي واحد آخر صدق بأن حرية التعبير حق مكفول لكل المغاربة فطفق يعبر عن رأيه الصريح في مشاكل مجتمعه ويعري سوءة المتلاعبين بالوطن والمواطنين. وحين إقترب من الملك في مقال كانت النتيجة أنه حصل على لقب: أول مدون مغربي يعتقل بسبب كتاباته! وكما العادة في مثل قضايا الصحفيين تم الحكم القضائي وحكم على محمد بالسجن لمدة عامين، دون حتى أن يمنح حقه القانوني في وجود محام!!

وماذا بعد؟

لا تصدقوا شيئا مما تسمعونه عن روعة المملكة السعيدة والمملكة الشريفة.. الــ أجمل بلد في العالم والبلد الأكثر إستقرارا في المنطقة. فقط إكتفوا بإحصاء عدد قضايا المس بحق الصحفيين والمواطنين في التعبير، وشاهدوا الأفلام المتناثرة في اليوتوب عن قضايا المس بالكرامة والحق في الحياة.. وقولو: اللهم إن هذا لمنكر.

إضافة 60 دقيقة إلى ساعة المغرب

30 مايو 2008

إبتداءً من يوم الأحد 1 يونيو وحتى 27 سبتمبر 2008، سيتم إضافة ساعة واحدة إلى التوقيت المحلي الحالي، بحيث سيصبح توقيت المغرب متقدمًا عن التوقيت العالمي الموحد بساعة واحدة.

جاءت هذه الإضافة حسب تصريح الوزير المكلف بتحديث القطاعات العامة، محمد عبو، بناءً على عدة تحديات مطروحة على البلاد في الوقت الراهن، منها ما هو إقتصادي ومنها ما هو متعلق بالطاقة، فوضعية البلاد الطاقية تعرف عدة مشاكل، ومن أجل ذلك أعدت وزارة الطاقة والمعادن دراسة بينت فيها أهمية زيادة ساعة في التوقيت في التخفيف من استهلاك الطاقة. وكذلك جاءت هذه الزيادة لتخفيض الفارق بين المغرب وشركائه الإقتصاديين في أوربا.

للإشارة، كان المغرب قد أقر الزيادة في التوقيت لأول مرة سنة 1984، واستمرت التجربة حوالي 15 شهرا، ليتم تكرار التجربة سنة 1989، غير أنها لم تدم سوى شهر واحد!

جريدة المساء.. القضاء المغربي وإعتزال التدوين!

26 مارس 2008

لم تعد أحكام القضاء المغربي تثير إستغراب أحد وصار يمكن توقعها دونما كثير جهد. أمس حقق القضاء المغربي رقمًا قياسيا في فداحة ما يحكم به، إذ غرم جريدة المساء المغربية مبلغ 600 مليون سنتيم (أقل قليلا من مليون دولار أمريكي!). التفاصيل غير مهمة، فالتهمة كما العادة إما القذف والسب وإما المس بالمقدسات (ويقصد بها الإخلال بالإحترام الواجب للملك). والهدف دائمًا هو إسكات المعارضين المطالبين بالإصلاح والصحافة المستقلة التي صارت تمارس المعارضة التي تخلت عنها الأحزاب السياسية.

الآن إما يتدخل الملك (بشكل مباشر أو غير مباشر) فلا يتم المطالبة بدفع المبلغ وإبقاء الأمر معلقًا كقيد في عنق الجريدة لأجل الضغط عليها بين وقت وآخر، أو يتم تخفيف الغرامة أو التراجع عنها لو تقدمت الجريدة بطلب إستئناف الحكم. وإذا لم يتدخل الملك وتم تنفيذ الحكم سيكون على الجريدة أن تغلق أبوابها، لأن مبلغ الغرامة تعجيزي والهدف منه فعلا هو دفع الجريدة للإفلاس.

في كل الحالات فإن هذا يؤكد أنه للأسف لا أمل في إصلاح قريب للقضاء المغربي (القضاء الذي يعترف وزير العدل نفسه بأنه غير مستقل). ثمة أشياء لا تقدم مجزئة (القضاء المستقل، حرية التعبير، إحترام حقوق الإنسان، الحق في تعليم منتج…)، إما تقدم كاملة وإما لا. لا يمكن القول بأن المغرب بلد ديموقراطي فقط لأنه يسمح بإنتخابات نزيهة (يسمح بذلك لأنه لا توجد أحزاب قوية تخاف منها الدولة) ونتجاهل القمع المريع الممارس على حرية التعبير.

بسبب هذا أجدني مضطرًا لإعلان إعتزالي التدوين! ليس لأنني خائف (وهي فرصة لأمارس غروري وأقول بأن مدونتي هذه هي أفضل مدونة مغربية باللغة العربية والأكثر جرأة على الإطلاق، ولولا أن السلطات المعنية بقمع الحريات لم تلتفت بعد للمدونات بشكل جدي لكنتم قد إرتحتم مني منذ شهور!). أقول ليس خوفًا، إنما فقدًا للأمل في أي إصلاح قادم. كل شيء هنا يهوي للأسفل: التعليم يثير التقيؤ، القضاء يثير الرعب، الصحة تثير الهلع، الأمن يثير القرف. إلا الغلاء والضرائب، فقط كلاهما يرتفعان بحماس منقطع النظير (والضمير).

ماذا سأفعل بالتدوين سوى أن أسبب لنفسي مزيدًا من الصداع. ربما عليّ أن أكون صادقًا مع نفسي، نعم أشعر بالخوف. ربما لم أصل لحد الرقابة الذاتية والخوف أثناء الكتابة، لكني حين أنشر وأعيد قراءة ما كتبت أشعر بشيء قليل من الخوف، ما زلت أتجاهله حتى الآن وأنا أكتب هذه الكلمات.

الخلاصة التي وصلتها، للأسف: لا فائدة. أو على رأي سعد زغلول: ما فيش فايدة!! كنت دومًا أرفض الإضراب عن التدوين دعما لقضية ما، من منطلق أن الصمت لن يفيد تلك القضية، لكني أجدني الآن مقررًا الإعتزال عن التدوين وليس فقط الإضراب عنه. صحيح أن هذا لن يفيد في شيء، لكني أضعف، الآن، من أن أفعل شيئًا حيويًا، أضعف من أن أغير. لذلك سأبتعد الآن، إلى أجل غير مسمى، لكن العودة ممكنة في أي وقت، وبأي شكل، لو دعت الحاجة.

فقط كلمة أخيرة: التدوين لدي مجرد وسيلة للنشر، لكني أنظر إليه من زاويتين. زاوية التدوين كعمل تجاري، من منطلق أن المدونات وسيلة سهلة للنشر تيسر التواصل ومن ثم تسويق المنتجات والخدمات. وزاوية ثانية هي زاوية التدوين كعمل سياسي، بإعتبار أن المدونات وسيط صحفي للنشر يسهل عملية التعبير عن الرأي ويسرع من عملية نقل الخبر. التدوين التجاري لن أعتزله، لأنه مرتبط بوظيفتي. ما سأعتزله هو التدوين الشخصي (بما في ذالك العمل الصحفي نفسه).

سلام!