‘تحليلات وآراء‘

ألا إن حزب الله هم الغالبون

1 يناير 2009

مظاهرات، إعتصامات وكثير من الكلام الفارغ. الأمر أبسط من ذلك بكثير: الإسرائليون لا يفهمون إلا لغة القوة.

إنهيار الأحلام

3 نوفمبر 2008

1. الوظيفة أولا

قبل أيام ذهبت لبنك قريب لأداء إيجار البيت (لست من يقوم بذلك عادة)، وتفاجأت بصديق دراسة قديم لم أره منذ سنوات يعمل هناك. إستغربت ماذا يفعل هنا في هذه الوظيفة المملة التعيسة، وهو كما أذكره كان من التلاميذ المتفوقين. حسنًا، إنتظر الأغرب: أي صديق أقابله من زملاء المرحلة الثانوية أسأله عن وظيفته يجيب كما لك أن تتوقع بأنه يعمل في بنك! ليس مديرا طبعا، بل مجرد موظف عادي جدا يجلس على كرسي طيلة النهار يستقبل العملاء يأخذ منهم أو يسلمهم أوراقا مالية لم يعد بإمكانه، مع وظيفته تلك، أن يحلم بإمتلاكها يوما.

سبب الإستغراب يعود إلى أننا درسنا في المرحلة الثانوية في تخصص الرياضيات، وهو لو تعلمون كان تخصص النخبة. كانت لكل منا أحلام كبيرة، كبيرة جدا. يوم تخرجنا من الثانوية ذهب كل منا لدراسة التخصص الذي يحب (أغلبنا). فماذا حدث خلال السنوات الأربع أو الخمس الأخيرة حتى يتحول “المهندس” إلى مجرد موظف محدود الدخل والأحلام؟

على رأي هاملت: شيء ما فاسد في المملكة. (مملكة الدنمارك طبعا!)

2. الهجرة السرية

صديق عرفته لمدة خمس سنوات، خلال إشتغالي مدرسا للكمبيوتر، علمت مؤخرًا أنه هاجر إلى إسبانيا. دخل بتأشيرة سياحية وبقي هناك مهاجرا سريا. لا أفهم لماذا فعل ذلك. ما أعرفه عنه أن راتبه كان مناسبا ويسمح له بحياة لا بأس بها كما أعرف أن له أحلاما إكتشف باكرا إستحالة تحقيقها في وطنه.

ليست هذه الحالة الوحيدة. لك أن تقرأ الأخبار كل يوم وستجد دائما قصة شاب باع كل ما يملك وإقترض ليوفر بضعة ملايين من السنتيمات يدفعها لسمسار يوصله إلى أوروبا. هو يدرك جيدا أن السمسار قد يخدعه ويجد نفسه في بطن الأسماك عوض الضفة الشمالية. يدرك أنه حتى لو نجح في الوصول فسيحتاج إلى أن يعمل طول اليوم ويوفر كل مبلغ يحصل عليه لسنتين أو أكثر حتى يرد المبلغ الذي إقترض. يعرف أنه سيعيش متشردا، سيتلقى الإهانات، سيعمل في مهن لم يكن ليشتغل فيها في وطنه. يدرك كل ذلك لكنه رغم ذلك يراهن بحياته، بكبريائه.. بكل شيء لكي يغادر “وطنه”.

لماذا؟

على رأي هاملت: شيء ما فاسد في المملكة. (مملكة الدنمارك طبعا!)

قطاع الأعمال وتهميش اللغة العربية

28 أكتوبر 2008

كتبت من قبل عن غياب مؤسسات متخصصة في دعم مشاريع الشباب في مرحلة البذرة (Seed funding). بحثت لاحقًا ووجدت بعض المستثمرين العرب مهتمين بتمويل المشاريع العربية الناشئة، لكني حينها وجدت مشكلة أخرى كنت أحسبها متفشية فقط في المغرب: الفصل القسري بين قطاع الأعمال واللغة العربية!

لدي مشروع (بالأحرى مجموعة من خدمات ويب 2 صغيرة ومتوسطة، من بينها هايد بارك، تنضوي تحت مشروع واحد) وأحتاج إلى تمويل صغير (في حدود 70 ألف دولار) لوضعه على السكة الصحيحة. بدأت في البحث عن مصادر التمويل العربية، وجدت بعضها فعلا. لكن كأنها غير موجودة. فرغم التأكيد على أنها موجهة لرواد الأعمال العرب إلا أنك تجدها تتشبث بالإنجليزية أكثر من شكسبير نفسه!

على سبيل المثال، هناك مشروع مميز بحق، وقد ساهم في تمويل عدد من المشاريع العربية، إنها شبكة ABAN التي تلعب دور الوسيط بين حاملي المشاريع والمستثمرين. موقعهم جميل وغني بالمعلومات، لكنه بالإنجليزية. لا بأس، يمكنني قراءة الإنجليزية وفهمها ببعض الجهد. لكن حين نصل إلى مرحلة إرسال طلب التمويل، تعرض لك إستمارة طويلة تطلب منك بيانات المشروع والمعلومات المتعلقة به، ثم ملف خطة المشروع، ويمكن إضافة تقديم فيديو عن المشروع. لا مانع لدي من تقديم كل تلك التفاصيل، لولا أنني لا أجيد الإنجليزية!!

لا مشكلة، فكرية أو عقائدية، لدي بخصوص أي لغة. ولا مانع لدي من التعامل مع أي شخص غير عربي بأي لغة أخرى غير العربية. لكن أن تصير الإنجليزية لغة التواصل بين العرب، فهذا أمر لا يستساغ، بغض النظر عن قيمة الإنجليزية.

فهل أصبحت الإنجليزية شرطًا لممارسة البيزنس في الشرق الأوسط ومصر، والفرنسية هي اللغة الوحيدة لرجال الأعمال في شمال إفريقيا؟

كيف تصبح (غبيا) في خمسة أيام، وبدون معلم!

9 مارس 2008

هل تجرؤ على تمزيق شواهدك الجامعية أو الرقص في الشارع؟ هل تجرؤ على العيش كما تحب فعلا أن تعيش وليس كما يريدك الآخرون أن تحيا؟

* * *

لكي تصبح غنيًا (أو حتى فقيرًا) فإنك لا تحتاج إلى كتاب ولا إلى معلم، وحتما تحتاج إلى أكثر من خمسة أيام. مع ذلك هناك غباء منقطع النظير لدى الكثيرين يجعلهم يقبلون بنهم على كتب تدعي منحك أسرار النجاح، كتب صرت تجدها في كل مكان، لدرجة أنك لو أردت إبعاد حجر من وسط الطريق لوجدت تحته كتابا يعلمك كيف تحول الفحم إلى ماس في يوم واحد، ولو فتحت صنبور المياه في بيتك فلا تستغرب، قد تنزل مع قطرات المياه عشرات من تلك الكتب.
قليل من تلك الكتب قد يكون مفيدًا، الكتب التي تخبرك عن تجارب لا عن خطوات. لكن جل ما في المكتبات هو من عينة النصب العلني. ثم بغض النظر عن مستوى أي كتاب من تلكم الكتب، إذا لم تتوفر الإرادة فلن ينفعك أي كتاب مهما كان. تصور أن شخصًا يعاني من السمنة، يقرأ في كتاب من عينة “كيف تتخلص من سمنتك” وهو ممد على فراشه يتناول أطنانا من السكريات، كيف بربك يمكنه أن ينقص جراما من وزنه؟
الإرادة هي إسم اللعبة. من يتوفر على الإرادة يمكنه بقليل من التفكير أن يجد خطوات عملية ليغير من حياته بشكل كامل ويحقق النجاح الذي يريد. وحدها الإرادة مع المثابرة ما تصنع النجاحات، ووحده الكسل ما يصنع الفشل والإخفاقات. إذن، لا تستمع إلى نصيحة أحد حتى نصيحتي أنا. لاحظ المعضلة: نصيحتي هي ألا تستمع إلى نصيحتي. لا تحاول إيجاد حل لهذه المعضلة العقلية، فلن تجد، الأفضل لك أن تواصل القراءة، لكني أكرر: لست مسؤولا عما سيحصل لك جراء سماعك لنصائحي.

* * *

“مطلوب عامل صيانة لأنابيب الصرف الصحي. خبرة لا تقل عن عشرين عامًا، يجيد ثلاث لغات إجادة تامة: الفرنسية والفرنسية والفرنسية. مستوى Bac + 5.”
دعنا الآن من مسألة الخبرة واللغات، قد أعود لها في وقت لاحق. لاحظ معي جيدا مستوى الباك زائد خمسة! يعني إن لم تكن حاصلا على الإجازة ودبلوم الدراسات المعمقة فأنت غير صالح للوظيفة. الإعلان طبعًا تخيلي لكن المعضلة حقيقية؛ في أي وظيفة كيفما كان نوعها، كل ما يطلبونه منك للفوز بها “الشواهد”. الذي ينجح في تكديس ملفه بأكبر عدد ممكن من الشواهد (بغض النظر عن نوعها، فحتى شهادة الوفاة مقبولة) فسوف يفوز رأسا بالوظيفة. يا للمأساة.
هناك حقيقة أتحدى أي شخص أن ينفيها: النظام التعليمي في المغرب فاشل تماما، فاشل حتى النخاع. بمعنى أن الشاب الذي يتخرج من المدارس المغربية، مهما يكن إسم الشهادة التي في يده، فإنه –إن لم يكن قد إعتمد على نفسه في إكتساب بعض الخبرات بشكل ذاتي- سيكون إنسانًا فارغًا أكثر من الفراغ ذاته. فأي قيمة إذن لدستة الشواهد التي يحمل؟
ما نزال نعطي للشواهد قيمة أكبر من حجمها، وحقيقة نحن المسؤولون عن ذلك وليس مديرو الشركات، نحن من نتسابق لنكدس الملفات بها ونعطيها بالتالي كل تلك القيمة الزائفة. القيمة الحقيقية لكل منا يجب أن تتحدد بما نعرفه وما نقدر على فعله وما يمكننا تعلمه. وليس بورقة تحمل ختمًا رسميًا.
علينا أن نتحرر من هذه العقدة، ولكي نفعل نحتاج إلى أن نمزق كل ما لدينا من تلك الشواهد. وحين نذهب إلى مقابلة عمل نذهب برؤوس مرفوعة ولسان حالنا يقول: لا شواهد لدي، أنا مستعد لإجراء أي إختبار للتحقق من الخبرة. هكذا سيعتاد مديرو الشركات على عدم الإعتماد على الشواهد وبذل مزيد من الجهد في إختبارات القبول لتوظيف من يستحق حقًا، وليس من يحمل ملفًا أثقل.

الديمقراطية على الطريقة المغربية!

8 أغسطس 2007

فؤاد عالي الهمة يستقيل والملك محمد السادس يقبل إستقالته، مشمولا برعايته المولوية –على حد تعبير وكالة الأنباء الرسمية- حتى يتفرغ السيد فؤاد للترشح في الإنتخابات البرلمانية القادمة (7 سبمتبر).

فؤاد عالي الهمة ليس مجرد موظف في الحكومة المغربية بدرجة وزير منتدب في وزارة الداخلية، بل هو الرجل الثاني في المغرب بعد الملك. هو المسؤول عن الملفات المغربية الأكثر حساسية، وهو أحد المفاوضين الأساسين في ملف الحكم الذاتي للصحراء المغربية. وهو ما يعني أن قرار الاستقالة هذا وقبول الملك به يبدو غريبًا وغير قابل للتفسير المنطقي، فمنصب الرجل من الصعب شغره بسهولة وبالسرعة الكافية لحساسية تلك الملفات.

نفى الرجل أن تكون لاستقالته أي أجندة سياسية، لكن بالعودة إلى مضمون خطاب الملك في عيد العرش الأخير قبل أقل من شهر، نجد أن الملك يجهز السيد الهمة لمنصب الوزير الأول في الحكومة القادمة.

في الحكومية الحالية المنتهية الصلاحية، عين الملك إدريس جطو وزيرًا أولا، بعد مرحلة إنتقالية من رئاسة وزارة الداخلية، لكن الأحزاب لم تقبل بذلك، وكانت تريد أن يكون الوزير الأول متحزبًا وليس تكنوقراطيًا. الملك، رغم ما أشار إليه في خطابه الأخير من تصديه لكل من يشكك في الأحزاب المغربية، هو أكثر من يدرك أن تلك الأحزاب لا يمكن الإعتماد عليها في شيء، لذلك هو لن يتنازل يومًا للحكومة عن الصلاحيات التي تريد ولن يختار أحدًا من رجالات الأحزاب لقيادة الحكومة. لذلك دفع رجله الوفي فؤاد عالي الهمة للترشح في الانتخابات حتى يمر بطريقة ديمقراطية نحو الوزارة الأولى.

ربما تبدو الفكرة ساذجة، فالملك له أن يعين من يشاء حيث يشاء متى ما شاء، دون أن يلقي بالا لمعارضة أحد. مع ذلك تحتفظ الفكرة بمنطقيتها لكل من اعتاد على الديمقراطية بصيغتها المغربية.

20% فقر.. 80% إرهاب !!

24 مارس 2007

في مجال الإدارة هناك نظرية تعرف باسم (مبدأ باريتو)، (وكذلك باسم قانون 20/80)، وهي تعني أن حل 80% من أي مشكلة يكمن في 20% من أكبر مسببات تلك المشكلة.

80% من حجم أو عواقب أي مشكلة ناتج فقط من 20% من أكبر المسببات.
80% من الجهد أو ناتج الجهد هو نتيجة 20% فقط من العمل.
80% من الهدر سببه 20% فقط من المشاكل.
(المصدر)

مقالي السابق (الفقر والقمع.. والإرهاب) أعتبر محاولة لتبرير الإرهاب، لكنه ليس كذلك. صحيح أنني لا أدينه بالمطلق، للأسباب التي أوضحتها هنالك، لكني أيضًا لا أتفق معه ولو جزئيًا، غير أنني أتفهمه، لذلك أردت الخوض في محاولة لفهم مسببات تلك العمليات الإرهابية.

كثير من المعترضين يقولون بأن الفقر لا يبرر القتل والإرهاب. فليكن، لن نناقش هذا الآن. فقط سؤال: أليس الفقر، وإن لم يبرر الإرهاب، أحد أسباب استفحاله في المغرب؟ مهما تكن المببررات فلن يمكن إنكار أن الفقر هو أحد أهم مسببات جنوح الشباب المغربي نحو الإرهاب. ولو طبقنا مبدأ باريتو هنا فإننا بقضائنا فقط على 20% من الفقر فسنكون قد قضينا على 80% من الإرهاب.

قد تبدو النظرية هكذا، بشكلها المجرد، صعبة الإدراك، أو التنفيذ، لكن المعنيين بالأمر يمكنهم، بشيء من حس المواطنة، أن يجعلوا النظرية قابلة للتحقيق فعلا على أرض الواقع.

الملك محمد السادس، أدرك مع مستشاريه، بعد أحداث 16 ماي 2003 أن الفقر أحد أسباب الإرهاب، فأطلق (المبادرة الوطنية للتنمية البشرية) التي أريد لها أن تنقذ ما يمكن إنقاذه. هي فعلا مبادرة رائعة لولا أنها لم تنفذ كما يجب. السرعة التي بدأ بها التنفيذ، وعدم الفرز السليم للأولويات، مع اكتساح الرشوة لكل الإدارات المعنية واستغلال بعض النافذين لسلطاتهم للاغتناء من تلك المبادرة، فإنها فشلت للأسف. للحق هي لم تفشل بشكل كامل، لكنها أيضًا لم تأتي بنتائجها المتوقعة.

لذلك نحتاج مجددًا إلى بديل آخر. بديل جدي، للقضاء على الأقل على 20% من الفقر بشكل كامل، وسنرى بعدها كيف سيصير من السهل القضاء على الإرهاب.

الفقر والقمع.. والإرهاب!

22 مارس 2007

في بلاد الرخاء الاجتماعي حين يسأم أحدهم من الحياة، ينتحر! وكذلك الحال في بلاد القمع السياسي والفقر المدقع، حين ييأس أحدهم ويسأم من الحياة، الدنيا، ينتحر. الفارق بينهما هو أن المنتحر الأول يعلق نفسه في/من أنشوطة أو يرمي بنفسه إلى البحر أو إلى الأرض، تاركًا خلفه رسالة أنيقة يُحمل فيها المجتمع مسؤولية انتحاره. أما المنتحر الثاني فلا وقت لديه للرومانسية: يتمنطق بحزام ناسف ويترك رسالته الأنيقة على أشلاء سيئي الحظ الذين تصادف وجودهم مع موعد انتحاره.

* * *
لكل فعل رد فعل.
* * *

بعد يوم واحد من انتصاف شهر ماي 2003، هزت مدينة الدار البيضاء المغربية أصوات انفجارات بجانب أحد الفنادق، دار اسبانيا والمقبرة اليهودية. صعق المغرب بالحادث الذي لم يكن متوقعًا، وبدأ يومذاك فصل جديد من التاريخ المغربي. لو شئنا الدقة هو ليس بفصل جديد، إنما تكرار لفصول دموية سوداء عانى منها المغرب أيام حكم الملك الحسن الثاني، فيما عرف لاحقًا باسم: سنوات الرصاص.

لو أردنا أن نكتب ملخصًا صحفيًا لهذا الفصل، لقلنا: اعتقال أزبد من ثلاثة آلاف شخص اتهموا بتدبير تفجيرات شهر ماي، أو ساهموا فيها، أو نفذوها، أو شجعوا عليها. وتم تمرير قانون الإرهاب، المقيد لكل الحريات، من البرلمان بأغلبية كاملة، بعد ضغط وزارة الداخلية على الأحزاب. وتمت العودة إلى ممارسات سنوات الرصاص بتحويل مركز المخابرات المدنية بمدينة تمارة إلى معتقل “سري” للتعذيب والاستنطاق والدس على كرامة المعتقلين. وعادت وزارة الداخلية لتبسط نفوذها على المساجد وقامت بعزل كثير من الأئمة والعاملين بالمساجد.

* * *
لكل فعل رد فعل، مساوٍ له في القوة.
* * *

منفذوا تلك التفجيرات كانوا من سكان أحد أفقر “دور الصفيح” في “المملكة السعيدة”، لذلك حاول بعض الصحفيين والمهتمين بعلم الإجتماع التنبيه إلى أن الخطر الإرهابي قادم من حيث يتواجد الفقر، وأكدوا أكثر من مرة على ضرورة توفير حياة كريمة للمواطنين والقضاء على الفقر، ليتم بشكل آلي القضاء على الإرهاب. لكن مطرب الحي لا يطرب: رفض ساسة المملكة الإعتراف بحقيقة أنه لولا الحالة الإجتماعية المزرية التي كان يعيشها أولئك الشباب “المنتحرون” لما وجد التطرف الديني له مكانًا في قلوبهم.

الآن، 11 مارس 2007، مرة أخرى، من ذات الحي مدقع الفقر الذي خرج منه “انتحاريوا” شهر ماي 2003، خرج انتحاريان آخران لينسف أحدهما نفسه، بالخطأ، وسط مقهى انترنت صغير في الدار البيضاء. وصار من الضروري العودة مرة أخرى إلى حقيقة أن الفقر هو المصدر الأول للإرهاب داخل المغرب. لكن مرة أخرى، مطرب الحي لن يطرب.

* * *
لكل فعل رد فعل، مساوٍ له في القوة ومضاد في الإتجاه.
* * *

تلك حقيقة لا يمكن إنكارها: لكل فعل رد فعل، مساوٍ له في القوة ومضاد في الإتجاه. جرب أن تأتي بأسد وجوعه، وأنظر إن كان سيلتهمك يومًا أم لا.

لا مجال للهو هنا. اليأس يسيطر على قلوب شباب فقدوا تماما أي أمل في مستقبل إنساني، ولم يبقى أمامهم سوى ثلاث خيارات لا غير: ركوب البحر ومحاولة الهجرة إلى أوربا. النكوص إلى الداخل باحتراف الجريمة وإدمان المخدرات. أما الخيار الثالث فهو الانتحار.

لكن المنتحر في هذه الحالة لن يتصرف كما يتصرف منتحروا السويد أو الدنمارك، بل هو قبل ذلك سيطلق لحيته وسيحيط وسطه بحزام ناسف أو يحمل حقيبة مكدسة بالمتفجرات، وسيبحث عن مكان مناسب ليسطر سخطه ويأسه على أكبر عدد ممكن من الأشلاء.

ليس الفقر هو سبب الإرهاب العالمي، فلأصحاب التفكير القاعدي حساباتهم أيضًا. لكني هنا أتحدث فقط عن الحالة المغربية: الفقر وما يصاحبه من يأس وقنوط وقمع، هي أسباب تدفع الشباب، بعض الشباب، إلى اعتناق نوع معين من التفكير يقودهم إلى “التضحية” بحياتهم مقابل مبادئ شحنوا بها شحنًا.

في الماضي كانت هناك أعمال “إرهابية” أيضًا. لكنها كانت تتم تحت وعي “التغيير اليساري”. الآن لا وعي هنالك. فقط تفجيرات وتفجيرات ولا شيء غير التفجير. الضغط يولد الإنفجار بكل تأكيد.

حين يجد أحد نفسه واقعًا تحت سياط القمع من السلطة، والاستغلال من “الحكومة”، والتجاهل والتفقير والسرقة… إلخ. حين يجد أحد نفسه كذلك ويقنط وييأس فيقوم بعمل “إرهابي”، لا يجب أن نستنكر ذلك. لا يجب أن نندد بذلك. لا يجب أن نرفض ذلك. لأننا قبلا: قبلنا بالفساد الإداري والسياسي، قبلنا بحفنة من المرتزقة أن يحكموننا، قبلنا ببعض اللصوص أن ينهبوا ثرواتنا، وقبلنا بأن نخاف ونتبول في ملابسنا حين يقترب شرطي ما منا.

هل الإسلام متسامح مع الأديان الأخرى؟

26 أكتوبر 2006

فعلا الإسلام دين يدعو إلى التسامح مع الآخر والحوار معه واحترامه. لكن أي إسلام هذا الذي نتحدث عنه؟ هل ما ندين به الآن هو الإسلام كما أتى به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم؟ صحيح أن المصدر التشريعي الأول للإسلام لم يتعرض للتحريف كما حصل مع العهدين الأولين، إلا أن المسلمون أنفسهم تعرضوا للانحراف!

فلأغير صيغة العنوان، طلبًا للدقة: هل المسلمون متسامحون مع الديانات الأخرى؟

لن أذهب بعيدًا في التاريخ بحثًا عن أمثلة؛ قبل أسابيع قام بابا الكاثوليك بإساءة ضمنية للإسلام في محاضرة له. النتيجة كانت، بجانب حالات الاستنكار والاستنفار، قيام مسلمين في فلسطين بحرق كنائس مسيحية (هي في الأصل غير كاثوليكية). السؤال: لو أن أولئك يحترمون المسيحية كدين آخر، هل كانوا سيتطاولون على مكان عبادة المسيحيين؟ كذلك حدث السنة الماضية (ويحدث منذ سنوات) في مصر، بخصوص حالة العداء التي تنفجر لأي سبب بين المسلمين والأقباط، من قتل ونهب وإحراق، هل يدل في شيء على احترام المسلمين للآخر؟ وغير هذه الحالات كثير، وأصحاب الذاكرة القوية (أو الأرشيف المنظم) يذكرون الكثير منها.

نعم الاسلام يطالب باحترام المسيحيين وحتى اليهود، لكن المسلمين بعيدون عن هذا الامتثال. فلماذا إذن نطالب الآخرين باحترامنا ونحن لا نحترمهم؟

إننا حتى لا نحترم أنفسنا، وديننا، وفي نفس الوقت نرغي ونزبد حين يعلن الآخر عن استهزائه بالإسلام. الحقيقة أن المسلمين أكثر من يستهزئ بالاسلام في العالم. فحين يقول أحد بأنه مسلم، وهو لا يقوم بأي ركن من أركان الإسلام فذاك استهزاء. حين يقول أحد بأنه مسلم وهو ينتهك عرض النساء وسط الشارع فذاك استهزاء بالاسلام. حين يقول أحدهم بأنه مسلم، وهو بين صلاة وأخرى يتجرع قناني الخمر ويتقوى على الضعيف ظلما فذاك استهزاء بالاسلام.

عن أي إسلام، إذن، يتحدث هؤلاء؟!

بذل الحقوق!

21 أكتوبر 2006

حين كنت طفلا -وعلى الأرجح ما زلت كذلك- تساءلت: ما الفائدة من العبارة: “كل الحقوق محفوظة”؟ ما فهمته آنذاك هو أنها تعني بأن كل الحقوق، من تأليف ونشر وتوزيع، محفوظة لصاحب المصنف، سواء العلمي أو الفني أو الأدبي. غير أن الواقع ينفي ذلك، فليست كل الحقوق محفوظة: على أرصفة الشوارع يمكنك أن تجد نسخًا من كل شيء. نسخا تشارك الأصل في الاحتفاظ باسم المؤلف، وتختلف عنه في الجودة والسعر.

لو أردنا أن نحدد، بشيء من البساطة، أسباب ما يتعرض له “الإبداع” من قرصنة، لوجدناها تنحصر في سببين: الأول ارتفاع سعر بيع المصنف الأصلي، والثاني صعوبة نشره/توزيعه في جميع الدول.

(…)

نشرت هذا المقال في مجلة (القافلة) عدد شهر رمضان، وبسبب سياسة النشر للمجلة لن أستطيع نشره كاملا في مدونتي إلا بعد فترة. يمكنكم الإطلاع على المقال كاملا من موقع المجلة (ضمن قسم الثقافة والأدب، زاوية قول آخر). وهي مجلة ثقافية تصدر عن مؤسسة أرامكو السعودية. متوفرة في الموقع بنسخة PDF ويمكن طلب نسختها الورقية مجانًا من إدارة المجلة.

المقال يتحدث عن صعوبات حفظ الحقوق ويدعو إلى اتباع مبدأ بذل الحقوق أو تشاركها، مع اقتراح حلول توفر للمبدعين مدخولا ماليًا يسمح لهم بالتفرغ للإبداع.

أزمة الثقافة العربية

19 أكتوبر 2006

تعيش الثقافة العربية أزمة تواصل حقيقية، إذ لا مكان لها في الحضور الإعلامي، حيث استحوذت السياسة والرياضة على كل صفحات الجرائد وكل الشاشات! يبدو أن الإبداع هو آخر ما يفكر فيه العربي.

نلقي نظرة على أي من الجرائد العربية فنجد ثلث صفحاتها مخصص للكوارث وأخبار الحروب حول العالم، مع منوعات أخرى. الثلث الثاني مخصص للإعلانات التجارية، ويخصص الثلث الباقي لأخبار الرياضة والرياضيين. بعض الصحف قد تخصص صفحة أو نصف صفحة للثقافة، لكن ما إن يحصل فائض في الإعلانات التجارية حتى تكون تلك الصفحة أول الضحايا.

حتى القنوات الفضائية تتعامل مع الأمر بذات الطريقة.. حتى الفضائيات الإخبارية الصرفة تخصص نشرات كاملة للرياضة وللاقتصاد، وتتجاهل الثقافة كأن لا وجود لها.

أليس للثقافة والأدب محض اهتمام عند العربي؟ أليس هذا الإبعاد قمع ضد المجتمع؟

نعرف أن المثقف أول من يراد تدميره في الحروب، ويكون آخر ما يدك ما حصون. هو ضمير الأمة وصوتها. أقصد طبعًا المثقف الوطني المهموم بقضايا وطنه، وليس الكلب الراكع بين قدمي السلطان.

نشر الثقافة عبر وسائل الإعلام الجماهيرية يجعل الثقافة ذاتها جماهيرية، ويصبح التفكير جماهيريا والمعرفة ملكًا للكل. لكن أصحاب الحل والعقد لا يريدون ذلك، فيحاربون بالتالي حضور الثقافة والإبداع بكل الأشكال لأجل تنميط المجتمع وقولبته.

بكل تأكيد أزمة الإبداع العربي ليست بسبب فقر مادي، كما يحاولون –أحيانا- إقناعنا، قدر ما هي بسبب فقر في استشراف المستقبل.

دولة قطر تقوم حاليًا بوضع لمساتها الأخيرة على جائزتها السنوية الدولية المخصصة للرواية والبالغ قيمتها المادية ثلاثة ملايين دولارًا أمريكيًا. هل تلاحظون ضخامة المبلغ؟ أول ما سيفعله الفائز بهذه الجائزة هو تطليق الكتابة طلاقًا بائنًا لا رجعة فيه. (لكنه قد يبحث عن “محلل” إذا بذّر المبلغ سريعًا.)

لو أن قيمة هذه الجائزة قسمت إلى حصص أصغر لدعم الثقافة (دعم المسرح، المبدعين الشباب…) لكان أفضل وأكثر خيرًا. غير أن من يهتم بدعم الثقافة في بلاد العرب –عموما- إنما يفعل ذلك لإضفاء البريق على نفسه، وليس حبًا في سواد عيون الثقافة!

إلى متى سنضل مخنوقين تحت معطف الماضي؟ نعم كنا ذات يوم حضارة عظيمة هي أساس الحضارة الغربية اليوم، لكن ذلك مجرد ماض قد مضى. فهل سنتحنط بكاءً أمام الأطلال؟

نحتاج إلى اهتمام جدي بالثقافة بكل صنوفها، وإلا فإننا سنتحول خلال سنوات قليلة إلى نسخة كربونية من الفرد الأمريكي: نلبس ذات اللباس، نأكل ذات الطعام، ننام بذات الطريقة… إلخ. تنميتنا لثقافتنا هو حصننا الذي سنرابط خلفه ضد سياسة القولبة، سيكون بداية النهضة التي نحتاجها.

نريد تخصيص صفحات ثقافية يومية في الجرائد، إصدار مجلات ثقافية متخصصة، فتح المكتبات في كل المدن، دعم المبدعين الشباب، تخصيص نشرات إخبارية للثقافة في الفضائيات… إلخ.

هذا الزخم الثقافي لو حصل سيمنح للفرد جهاز فرز يوفر له إمكانية فرز الصالح من الطالح، سيشجعهم على ممارسة حريتهم، سيسمح لهم بالاستقلالية في اختياراتهم.

لكن هل هناك إرادة حقيقية للإصلاح في العالم العربي؟ تلك هي المشكلة على رأي هاملت. وأمل ألا تكون نهايتنا كما نهاية هاملت!