كعك وبسكويت: حرائق في الأفق!
الأسبوع الماضي (الثلاثاء 12 سبتمبر) ألقى بابا الفاتيكان محاضرة في ألمانيا حول موضوع الإيمان والعقل. يوم الخميس الموالي (بعد تأخير يومين) وصل الخبر إلى وسائل الإعلام العربية، فانطلقت في شحن الجماهير، ثم جاء دور خطباء الجمعة في الصباح الموالي ليواصلوا إشعال حرائقهم، رغم أنه لا أحد منهم كان قد قرأ نص محاضرة الحبر الأعظم للكاثوليك. حتى علماء الأزهر، وباقي المرجعيات الدينية، بعد أن أرغوا وأزبدوا قالوا بأنهم سيقرؤون نص المحاضرة وسيرون ما يمكن فعله!
بحثت في شبكة الانترنت عن الترجمة العربية لنص المحاضرة، لكني لم أجد. غريبة هذه الوصاية التي تمارسها علينا وسائل الإعلام، وغريب انصياع الجماهير العربية الأعمى. يكفي أن تقول الفضائيات العربية بأن البابا سب الإسلام حتى ينتفض الكل إلى إشعال الحرائق في الكنائس!
حتى الآن لم أقرأ نص المحاضرة، فقط فقرات مجتزأة عن سياقها نشرتها شبكة إسلام أون لاين، لذلك لا أستطيع أن أقول رأيًا حول مضمون المحاضرة ومدى إساءة بنديكت السادس عشر للإسلام. وإن كنت أرى أن اعتذار البابا –في حد ذاته بعيدا عن رأيي في المحاضرة- غير مقنع البتة. فحسب القواعد (أو الأعراف) الأكاديمية، يتم إيراد الاستشهادات أو الاقتباسات من نصوص وكتب أخرى لأمرين اثنين: التأكيد أو التفنيد. أما قول البابا بأن تلك الاقتباسات لا تمثل رأيه –ومن منطلق أنه لم يعمل على تفنيدها كما قرأت في مجتزأ المحاضرة- فإن قوله ذاك يعتبر نقصًا أكاديميا، وما أورده بعتبر حشوًا زائدًا. أو أن ذلك يعني أن قداسة البابا كاذب في اعتذاره.
ما يعنيني هنا هو طبيعة المحاضرة. ما قاله البابا ألقاه على شكل محاضرة داخل جامعة، وليس خطبة دينية في كنيسة. إذن، أكاديميا، يملك البابا الحق في أن يقول كل ما هو مقتنع به بخصوص الإسلام. والرد عليه يجب أن يكون بذات الشكل: محاضرة أكاديمية تفند ما ادعاه، أو مناظرة فكرية تظهر خطأ ما يعتنقه.
أما أن نتصرف بمثل ما ادعى علينا، لنفند ادعائه ذاك، فهذا عين الجنون. هو يقول بأن الإسلام دين يدفع إلى العنف، فهل ردنا عليه هو أن نتصرف بعنف ونقتل المسيحيين ونحرق الكنائس؟!
ثم إن البابا لا يمثل من المسيحيين سوى الكاثوليك، وأما الطوائف الأخرى، خاصة العربية، فهي بنفسها استنكرت ما استند إليه في محاضرته. وما حدث في فلسطين أمر مؤسف بحق. مؤلم أن يحدث ذلك بالذات في فلسطين. خسارة أن المسلمين لا يقرؤون تاريخهم.
هناك مثل فلسطيني يقول: “ابي كعك، وأنا جوعان”، ولديه مقابل مغربي يعني “ماذا تريد أيها العريان. قال: خاتم ذهب”. والأصل يعود إلى عصور الاستبداد في أوربا –ولا أذكر التفاصيل: في مملكة ما انتفض الشعب من الجوع طالبًا خبزا، فلما وصلوا إلى القصر قالت ملكتهم لجنودها: أعطوهم كعكا!
وهذا تماما ما يحصل لنا المسلمين في هذا العصر: الشعوب تطلب الحرية والعدالة والتنمية، فيتم تخديرها بدفعها إلى مثل ردود الفعل الهمجية هذه، لأجل تفريغ غضبهم ورغبتهم في التمرد على الاستبداد الداخلي. ويبقى المستفيد الأول والأخير دائما هو ذاك الجالس على العرش، الذي يخدم رغبات الإمبرياليين الجدد.
ما أشير إليه كخلاصة هو أن الإعلام العربي إعلام استفزازي. يعمد دوما إلى تهييج الجماهير بتقديمه لنصف الحقيقة واحتكاره للنصف الآخر أو تضخيم الحقيقة. في قضية الرسوم الكاريكاتورية عمدت بعض الجرائد إلى إعادة نشر تلك الرسوم، للرفع من درجة الغضب والاستفزاز، وأيضًا عدد المبيعات. أما في هذه القضية فهي لم تحاول ترجمة نص المحاضرة لأن ذلك كفيل –ربما- بالتقليل من حدة الغضب، وإذكاء الرغبة في المناقشة والحوار والمناظرات. وكما أرى كل ما يريده الإعلام العربي هو إثارة النعرات القبلية والصراعات الداخلية وتهييج المشاعر. ولكم أن تتساءلوا عن سر تأخر وصول خبر المحاضرة إلى الإعلام العربي، وكيف تسرب الخبر إليها.
مواضيع ذات صلة:

