تطور أنظمة الحكم.. بعيون أفلاطون وابن رشد!

الثلاثاء 19 سبتمبر 2006 | القسم: منوعات وخواطر |

صار الحديث عن أنماط الحكم، مادة للكثير من وسائل الإعلام والمناقشات، خاصة فيما يرتبط بالحالة العراقية. من ذلك مقال المفكر المغربي الدكتور محمد عابد الجابري الموسوم بـ “الوضع العربي الراهن… بعيون أفلاطون وابن رشد!”(المنشور في عدد شهر يونيو من سلسلة “مواقف”.)، قاصدًا تقديم قراءة أفلاطون وابن رشد لمسألة الانتقال من نمط في الحكم إلى آخر.

كان هدف أفلاطون من كتابه “الجمهورية” شرح تصوره الخاص لمفهوم “المدينة الفاضلة”. والقصد بالمدينة الفاضلةِ الدولةُ التي يسود فيها العقل، لا الرغبات والشهوات، وتكون مبنية على العدل والمساواة.

بعد وصفه هذه المدينة وبيان كيفية بنائها وسبل تقويتها، عرج أفلاطون إلى الحديث عن مسألة الآفات التي يمكن أن تصيب هذه الدولة فتتحول من “فاضلة” إلى “غير فاضلة”. مستقرءًا أنماط الحكم التي عرفها اليونان، محددا إياها في أنماط خمسة ينشأ بعضها عن بعض، بعد “المدينة الفاضلة”.

حين يظهر رجال طموحين إلى المجد في المدينة الفاضلة، التي يحكمها الأرستقراطيون (أو الأخيار في الترجمة العربية القديمة)، يأتي نمط من الحكم سماه أفلاطون “التيموقراطية” (عرب بـ مدينة الكرامة). وهو نمط يتميز بكون الحكام، في الدول المطبقة لهذا النظام، يركزون اهتمامهم في طلب الكرامة والوجاهة والمجد. ويكون لهم ذلك بما يحققونه من غلبة في غزواتهم وحروبهم. وعندما يستبد هؤلاء “الوجهاء” ويتسلطون بعدما يصحبون أغنياء بما غنموا من غزواتهم، تتحول التيموقراطية إلى “أوليغارشية” (مدينة اليسار، مدينة الخسة). هذا النمط من أنماط الحكم يؤدي إلى تفقير الشعب، بحيث يزداد فقر الفقير ويزداد غنى الغني، ويظهر المتسولون والعاطلون واللصوص. حتى يتحول كل من في الدولة الأوليغارشية متسولون، إلا الحكام. مثل هذا الوضع لا بد أن يؤدي في الأخير إلى نشوب ثورات، ينشأ عنها نمط “الديموقراطية”؛ أي حكم الشعب نفسه بنفسه، وقد سماها العرب “المدينة الجماعية” و”مدينة الحرية”.

يلخص ابن رشد ما قاله أفلاطون، ويسقط ذلك على الممالك الإسلامية في عصره، فيقول بأن المدينة الجماعية هي التي يكون فيها كل فرد مطلقا من كل قيد. لذلك ينشأ في هذه المدينة مختلف أنماط الحكم التي تعرفها الدول الأخرى، فيكون فيها من يحب الكرامة، وفيها من يحب اكتساب الأموال، وفيها من يحبون السيطرة. ويضيف بأن البيت (القبيلة، الطائفة، الحزب) في هذه المدينة هو المقصد الأول. لذلك كانت هذه المدينة تقوم على العشائرية، عكس المدينة الفاضلة.

يقول ابن رشد: “الاجتماعات في كثير من الممالك الإسلامية اليوم، إنما هي اجتماعات بيوتات لا غير؛ وإنما بقي لأهلها من النواميس (القوانين، الأعراف…) الناموس الذي يحفظ عليهم حقوقهم الأولى. وذلك لأن جميع أموال هذه المدينة أموال بيوتات. وأصحابها يضطرون في بعض الأحيان إلى أن يخرجوا من البيت ما يدفعونه إلى من يقاتل عنهم، ويلجأون إلى فرض مكوس وغرامات. وهكذا يصير أهل هذا النوع من المدن صنفين: صنف يعرف بالعامة وآخر يعرف بالسادة، كما كان عليه الحال عند أهل فارس، وكما عليه الحال في كثير من مدننا [الأندلسية]. وفي هذه الحال يسلب سادتهم عامتهم، ويمعن السادة في الاستيلاء على أموال العامة إلى أن يؤدي بهم الأمر أحيانا إلى التسلط، كما يعرض هذا في زماننا هذا وفي مدننا هذه [قرطبة].”

إذ حين تفيض الحرية ينشغل كل فرد بما يشتهي وتبقى أمور الرئاسة في يد رجل واحد، الذي سيتحول إلى فرد وحداني التسلط، بتعبير ابن رشد. يقول أفلاطون: “… ويسود هناك التنافر والقسوة والنهب، وبالضرورة يتعرض ذوو اليسار إلى الظلم على يد العامة الذين يضعون أمورهم بين أيدي رجل واحد، هو الأعظم ممن في صنفهم ذاك، أعني من القوم الذين ينغمسون في شهواتهم، فيعززونه ويعظمونه، ولا يزال أمثال هذا الرجل يزدادون تحولا وإفراطا في الحرية (حريتهم هم)، شيئا فشيئا، إلى أن يستعبدوا معظم أهل المدينة ويصيرون غالبين فيها بإطلاق”.

عند هذا الحد تتحول الديمقراطية إلى الصنف الخامس من أنظمة الحكم عند أفلاطون: حكم الطاغية. ويأتي هذا التحول حين يدفع الحاكم الشعب إلى الاستمساك بالدستور والقوانين حتى يظنوا أنه حاكم عادل لا غاية له إلا العناية بالأمة. وحين ينتهي من أمر أعداء الخارج يعود إلى الداخل ليثير بين أهلها الفتن، فيستولي على أموال المواطنين، ليشغلهم بفقرهم، ويعمد إلى التخلص من الأغنياء المعارضين له. وهو كلما انهمك في هذا يزداد عدد الرافضين له، فتزداد بذلك حاجته إلى “الحراس”، فيرفع عددهم ويوفر لهم العطاء ويرفعهم إلى درجة ثقته. ويرفع بالتالي من درجة تسلطه ونهبه لأموال الرعية.

هذا النمط الأخير هو ما نراه، رؤية حق، في دولنا العربية قاطبة.

تدوينات مرتبطة:

التعليقات:

لا يمكن إضافة تعليقات.