أزمة الثقافة العربية

الخميس 19 أكتوبر 2006 | القسم: تحليلات وآراء |

تعيش الثقافة العربية أزمة تواصل حقيقية، إذ لا مكان لها في الحضور الإعلامي، حيث استحوذت السياسة والرياضة على كل صفحات الجرائد وكل الشاشات! يبدو أن الإبداع هو آخر ما يفكر فيه العربي.

نلقي نظرة على أي من الجرائد العربية فنجد ثلث صفحاتها مخصص للكوارث وأخبار الحروب حول العالم، مع منوعات أخرى. الثلث الثاني مخصص للإعلانات التجارية، ويخصص الثلث الباقي لأخبار الرياضة والرياضيين. بعض الصحف قد تخصص صفحة أو نصف صفحة للثقافة، لكن ما إن يحصل فائض في الإعلانات التجارية حتى تكون تلك الصفحة أول الضحايا.

حتى القنوات الفضائية تتعامل مع الأمر بذات الطريقة.. حتى الفضائيات الإخبارية الصرفة تخصص نشرات كاملة للرياضة وللاقتصاد، وتتجاهل الثقافة كأن لا وجود لها.

أليس للثقافة والأدب محض اهتمام عند العربي؟ أليس هذا الإبعاد قمع ضد المجتمع؟

نعرف أن المثقف أول من يراد تدميره في الحروب، ويكون آخر ما يدك ما حصون. هو ضمير الأمة وصوتها. أقصد طبعًا المثقف الوطني المهموم بقضايا وطنه، وليس الكلب الراكع بين قدمي السلطان.

نشر الثقافة عبر وسائل الإعلام الجماهيرية يجعل الثقافة ذاتها جماهيرية، ويصبح التفكير جماهيريا والمعرفة ملكًا للكل. لكن أصحاب الحل والعقد لا يريدون ذلك، فيحاربون بالتالي حضور الثقافة والإبداع بكل الأشكال لأجل تنميط المجتمع وقولبته.

بكل تأكيد أزمة الإبداع العربي ليست بسبب فقر مادي، كما يحاولون –أحيانا- إقناعنا، قدر ما هي بسبب فقر في استشراف المستقبل.

دولة قطر تقوم حاليًا بوضع لمساتها الأخيرة على جائزتها السنوية الدولية المخصصة للرواية والبالغ قيمتها المادية ثلاثة ملايين دولارًا أمريكيًا. هل تلاحظون ضخامة المبلغ؟ أول ما سيفعله الفائز بهذه الجائزة هو تطليق الكتابة طلاقًا بائنًا لا رجعة فيه. (لكنه قد يبحث عن “محلل” إذا بذّر المبلغ سريعًا.)

لو أن قيمة هذه الجائزة قسمت إلى حصص أصغر لدعم الثقافة (دعم المسرح، المبدعين الشباب…) لكان أفضل وأكثر خيرًا. غير أن من يهتم بدعم الثقافة في بلاد العرب –عموما- إنما يفعل ذلك لإضفاء البريق على نفسه، وليس حبًا في سواد عيون الثقافة!

إلى متى سنضل مخنوقين تحت معطف الماضي؟ نعم كنا ذات يوم حضارة عظيمة هي أساس الحضارة الغربية اليوم، لكن ذلك مجرد ماض قد مضى. فهل سنتحنط بكاءً أمام الأطلال؟

نحتاج إلى اهتمام جدي بالثقافة بكل صنوفها، وإلا فإننا سنتحول خلال سنوات قليلة إلى نسخة كربونية من الفرد الأمريكي: نلبس ذات اللباس، نأكل ذات الطعام، ننام بذات الطريقة… إلخ. تنميتنا لثقافتنا هو حصننا الذي سنرابط خلفه ضد سياسة القولبة، سيكون بداية النهضة التي نحتاجها.

نريد تخصيص صفحات ثقافية يومية في الجرائد، إصدار مجلات ثقافية متخصصة، فتح المكتبات في كل المدن، دعم المبدعين الشباب، تخصيص نشرات إخبارية للثقافة في الفضائيات… إلخ.

هذا الزخم الثقافي لو حصل سيمنح للفرد جهاز فرز يوفر له إمكانية فرز الصالح من الطالح، سيشجعهم على ممارسة حريتهم، سيسمح لهم بالاستقلالية في اختياراتهم.

لكن هل هناك إرادة حقيقية للإصلاح في العالم العربي؟ تلك هي المشكلة على رأي هاملت. وأمل ألا تكون نهايتنا كما نهاية هاملت!

تدوينات مرتبطة:

التعليقات:

  1. نبيه المنسي:

    مساء الخير ..
    موضوع مهم للغاية..
    ولكن هل وسائل الإعلام تمثل المجتمع العربي,,
    و لاننسى أن كثيرا منها يمثل الجاهل القابع في رأس السلطة

  2. Global Voices Online » Blog Archive » Arabisc: Protests, Human Rights and Cultural Repression:

    Moroccan blogger Mohammed Saeed Hjiouij is also angry and has another battle to fight. This time is it against the repression of culture in the Arab world. تعيش الثقافة العربية أزمة تواصل حقيقية، إذ لا مكان لها في الحضور الإعلامي، حيث استحوذت السياسة والرياضة على كل صفحات الجرائد وكل الشاشات! يبدو أن الإبداع هو آخر ما يفكر فيه العربي. …

  3. هديل:

    تشعر أحياناً بأن المثقف غريب في مجتمعه، وكأنه يرتكب جرماً حينما ينادي باهتمام أكبر..
    أعتقد أن الإعلام هو الذي صنع الاهتمام بالرياضة، بتكثيف زخمه، وكذلك ما يسمى بـ(الفن)، -رغم اعتراضي على المضمون-
    إذ أني لا أؤمن بمقولة “الجمهور عاوز كذه” .. بل هو الإعلام الذي يفرض ما يريد، ويلغي ما لا يريده، ومن فوقه الأيدي وأصحاب الأموال الذي يديرون آلاتها الضخمة..

  4. م.س. احجيوج:

    فعلا، مقولة “الجمهور عايز كذه” مجرد أكذوبة بدأنا نصدقها -في حد ذاتها- كما نصدق مضمونها.

    من يثبت أن الجمهور يريد مشاهدة العري؟ بدأ العري يتسرب إلى القنوات شيئَا فشيئًا.. كان محتشما في البدء، ثم بدأ يخرج رأسه من تحت السطح. هذا التغير التدريجي يولد عند المتلقي شيئًا من القبول، حتى أنه لا ينتبه إلى نفسه إلا وقد صار يشاهد مشاهد العري دون حرج، هو الذي كان يحتج في السابق على كشف شعر المرأة.

    ما ينطبق على المسألة الأخلاقية يصدق على باقي الأمور. يمارس الإعلام سلطته بترسيخه لمفاهيم محددة بشكل تدريجي بحيث تصبح تلك المفاهيم مع مرور الأيام شيئًا عاديًا!

    هنا خطر الإعلام، قدرته خارقة على التغيير وهو يعمل بشكل خفي وغير مرئي. فعلا يصدق عليه وصف: القوة الناعمة.

  5. جُحَا.كُمْ:

    العزيز احجيوج
    تشخيصك لمفهوم ودور الثقافة سليم..خاصة فيما يتعلق الأمر بالإبداع والإجابة على كل ‏تساؤلاتك، تذكرها أنت نفسك في آخر التدوينة حيث تقترح حل الإصلاح الذي هو – في ‏تقديري- حل سياسي بالدرجة الأولى.. وطالما الأمر كذلك ستبقى –ومن المفترض أن ‏تبقى- السياسة همّا أساسيا لدى المثقفين الذين عليهم أن يختاروا بين ثقافة المسايرة –‏سواء للسلطة أو للجماهير البائسة ثقافيا- أو ثقافة المجابهة.. مجابهة كل أشكال القمع.. ‏من أجل الحرية التي تشكل شرطا لازما للإبداع.. وهنا نحن فيما يشبه الدائرة المفرغة ‏التي يمكن أن ألخصها كما يلي: كلما انشغل المثقف بهاجس الحرية اقترب بالتالي من ‏هاجس السياسة، وكلما انشغل بهاجس الإبداع يكون عرضة للتهميش السياسي.. النتيجة: ‏سياساتنا لا محتوى ثقافي لها، وثقافاتنا لا أفق سياسي لها..‏
    تحياتي
    جُحَا.كُمْ ‏

  6. بشير زعبيه:

    أولا// ان ما تتكلم عنه بالنسبة للثقافية هو في الواقع شأن كل القطاعات الأخرى فالتخلف شامل و النهوض بالثقافة لايمكن أن يتم بمعزل عن النهوض بالمجتمع ككل أي أن الأمر يتعلق بمنظوة كاملة متكاملة .. واعتقد أن الحديث عن التراجع في الاهتمام بالثقافة لا بد أن يتبعه حديث عن تراجع الثقافة نفسها وعن دور المثقف نفسه في هذا الشأن حينئذ سنرى الفجوة الواسعة بين المثقف والشارع على سبيل المثال فقد ظل هذا المثقف منعزلا متشرنقا داخل نخبته يخاطب نفسه بلغة بعيدة عن لغة معاناة وضرورات الشارع ..
    ثانيا// انك تتكلم من منطلق سلبي شأن غالبية المثقفين العرب أي تتحدث عن(آخر ) تشكوه وتنتظر منه أو تطالبه بالاهتمام بالثقافة بعد أن تكون قد حملته وزر تهميشها .. ان النهوض بالشأن الثقافي هو مسؤولية المثقف نفسه بالدرجة الأولى ويجب أن تأتي المبادرة من المثقف نفسه من خلال اعادة النظر في علاقته مع محيطه وفي أدواته وخطابه وبناء علاقة سوية تفاعلية مع المجتمع تستوعب الواقع وتستشرف المستقبل شعاره في ذلك (ابدأ بنفسك)

  7. م.س. احجيوج:

    وجهة نظر صائبة يا بشير، وهي تتقاطع مع ما أشار إليه العزيز جحا.كم بخصوص الدائرة المفرغة.

    المسؤولية مسؤولية مشتركة بين الكل، ليست المشكلة في القمة فقط أو في القاعدة فقط، بل في كليهما. لذلك ما يجب أن نعمل به هو شعار (إبدأ بنفسك)، بغض النظر عن تصرفات الآخرين. فحتما حين يبدأ كل واحد في إصلاح نفسه، سينشر نوعًا من العدوى تدفع الآخرين لتقليده. ممارسة الإصلاح، بكل تأكيد، أجدى من الحديث عن الإصلاح.