صفيح.. وقصدير!!

توجد على مقربة من الرباط، في عالية واد أبي رقراق مزبلة عمومية منفرة مشينة. ترعى فيها الأبقار. ويقوم بجوارها تجمع سكني صفيحي صغير يؤوي بضع عشرات من السكان. أطفال في أسمال، يلعبون في عرض طريق من تلك الطرق الثانوية المهملة، التي لا يمر بها المسؤولون قط. الناس يأوون ههنا، إلى أكواخ مهدمة، قد اتخذوها من الألواح والصفيح.

(…) على بعد بضع مئات الأمتار من السكن الصفيحي، يقوم، في تلة، قصر لأمير عربي (سعودي) فوق هضبة؛ ما يمنح المطل منه نظرة جامعة رائعة. ويحيط بهذا القصر سور وقائي من مئات الأمتار. الناظر من هذه الهضبة يشرف ببصره على مدينة سلا، ويحيط بالوادي، وبالبحر نفسه، عند مصب الوادي. لكنه لن يرى يقينا السكن الصفيحي، ولا المزبلة؛ إذ تحجبهما هضبة أخرى… ينعم رواد هذا القصر بعيشة النعيم. فلأجل ذلك يقصدونه. الآخرون يحتاجون إلى الترويح عن النفس. وإذا تهيأ للواحد منهم البيترودولار، صار عنده كل شيء ممكنا. لكن لا داعي لأن نلوم هؤلاء الميليارديرات الأجلاف. ولندعهم ينفقون أموالهم كما يحلوا لهم. فقد منعوا في بلادهم من كل شيء فماذا يصنعون؟ ففي بلادهم تقطع يد السارق، ويجلد الشارب ويرجم الزاني… وماذا يفعلون هنا؟ إنهم يرشون الخمر على سمك الطرخوات، لينعموا بلحمه الندي. ويجرعون قناني الويسكي بلا حساب طلبا للمتعة. ويزدردون الطعام ازدرادًا، وهم مقتعدون الأرض، إذ يجهلون بآداب الأكل (والمائدة والشرشف)! عند الأناسي. الواحد منهم يلتهم كيلوغرامات من اللحم المشوي وهو مقتعد زربية يحاكي ذئبا من الذئاب… هل هي عادة قديمة من عاداتهم في الصحراء؟ لا شك في ذلك.

والسكن الصفيحي؟ والمزبلة؟ إنهما لا يزالان قائمين في مكانهما… من يهتم لأمرهما! فلنمض، ولنتركهما، إلى أمر آخر.

في بلادنا مثيلات لهذه المناظر، يذهل لها المرء! آخر سكن صفيحي رأيته في فرنسا كان في نانتير على عهد جورج بومبيدو. فما عاد لمدن الصفيح وجود في هذا البلد. (…) وأما السكن الصفيحي الذي في المغرب فهو حديث عهد بالنشوء. لكن هذه الظاهرة الجديدة تجدرت وتأصلت في هذا البلد، حتى عمت هوامش المدن وضواحيها… فلا تلبث أن تصل إلى البادية. غير أن من المدن ما يخلو من هذه الظاهرة، كالصويرة وتيزنيت وتارودانت وتافروات. السكن الصفيحي جرح حديث. لكنه جرح بلغ من التعفن ما أعجز دولا كثيرة علاجه. أدواء تطالعك سافرة، في هذا الأكداس من الخشب والقصدير، وفي هذه الحشود من الأطفال المتخبطين في مجاري المياه الآسنة، الناقلة جراثيم، وفي هذا البؤس القاتل الذي لا يلوح ما يبشر بنهايته، الآخذ، دوما، في الاتساع لا يفت في وتيرته تبدل الفصول. ليستقر في قلب المدن الصناعية أو التي يزعم لها أنها مدن صناعية. بجوار دارات فخيمة، قد بلغ منها البذخ ما يعجز عنه الوصف. فإذا قام السكن الصفيحي في موضع مكشوف للناظرين، يسور بحائط عال يسمى بكل بساطة حائط العار، لأن الناس يريدون أن ينسوا أنه موجود، كفعلهم بالقمل، والجرذان وسائر الحشرات الكريهة. إنهم لا يقبلون بالأقذار في بلدنا. ينبغي أن يكون نظيفا على الدوام! لا ينبغي أن تطلب الرحمة أو التكافل داخل هذا المجتمع! فقد جُعل في صورة بحيث لا يفكر الواحد من أهله إلا في نفسه. تلك سيادة الأنانية. المجتمع قاس لا يرحم.

محمد خير الدين، يوميات سرير الموت. دار جذور للنشر، الطبعة الأولى: 2004. صفحات: 35، 36، 37، 38.

وسوم:

التعليقات 2 على “صفيح.. وقصدير!!”

  1. فاطمة الزهراء المغربية علق:

    السلام عليكم ورحمة الله..
    يا استاذ احجيوج
    انك تختفي هنا ولو لا الصدف ما قراتك وما عرفتك ابدا..
    رغم كل السلبيات والمضيقات الفنية بالخصوص التي نعانيها في مكتوب لكنه يعتبر فضاء واسعا سهل الولوج وكذا يمكن من خلاله ان نتمكن من قراءة اكبر عدد من المدونين من كل الوطن العربي العريض..
    لكنني لا انكر ارغب في ان اتواصل مع ابناء وطني الجميل ..فعدا مولاي عمر والقلة القليلة ، يختفي المدونون المغاربة بمكتوب ولا اعرف الا القلة منهم ورغبتي في ان يكون بيننا تواصل من اجل التصحيح طبعا والاستفادة من الخبرات ..احيانا ينتابني عدم الرضا على كل ما اقوم به اشعر وكانني اكتب مواضيع انشائية واريد التخلي في لحظة ضعف لكن الاصدقاء والصديقات اللائي بفضلهم فتحت مدونتي يشجعونني من جديد ..فانهض قليلا من كبوتي…
    وقد تركتها ارضاء لهم وهي فضاء متواضع وحر ليس معروضا للبيع او للشراء ولا للكراء ايضا هههه..بل للتضامن اولا وعرض افكاري المتواضعة في ما يجري من حولي ..فانا لا اريد ان اترك التفاهة النسائية تنهش ذاكرتي بين الوصفات النسائية والثرثرة..
    ساتوقف هاهنا
    ويمكنك زيارة مدونتي بمكتوب::
    mimi.maktoobblog.com
    مملكة الماء
    وارجوك يا سعيد يا ابن ان تقول رايك بصراحة وتبدي ملاحظاتك بكل موضوعية كي اتنفع بها واصحح نفسي..
    وشكرا
    فاطمة الزهراء المغربية…

  2. م.س. احجيوج علق:

    أهلا بك فاطمة،
    سأطلع على مدونتك. شكرًا لك.