المدوَنات، هل تقول الحقيقة؟
بالعودة إلى مقال “سلطة التدوين” يمكن تحقيب عمر التدوين إلى ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: بدأت سنة 1994 بإنشاء Justin Hall لأول موقع يمكن تصنيفه كمدونة، وإن كانت التسمية WebLog لم تظهر إلا سنة 1997. عرفت هذه الفترة ظهور خدمات تدوين مثل Xanga سنة 1997، وOpen Diary سنة 1998 ثم LiveJournal وBlogger سنة 1999.
المرحلة الثانية: شهدت سنة 2001 الميلاد الحقيقي للمدونات، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر. في هذه المرحلة دخل الصحفيون إلى معترك التدوين وبدأت المدونات تكتسب قدرتها على التغيير: البداية كانت سنة 2002 باستقالة السيناتور Trent Lott بعد هجوم شنه عليه المدونون إثر تعليقات عنصرية بدرت عنه. ثم تبع ذلك الكثير من الأحداث المشابهة، كما ظهر ما سمي بـ “مدونات الحرب” أثناء الغزو الأمريكي للعراق.
المرحلة الثالثة: بدأت في النصف الثاني من العام 2004، حين تحول التدوين إلى ظاهرة عالمية عرفت انفجارًا كبيرًا ابتداءً من سنة 2005، حتى صارت المدونات الآن يتضاعف عددها كل ستة أشهر لتتجاوز الخمسين مليون مدونة حسب بعض الإحصائيات.
في المرحلة الأولى كانت المدونات تطبيقًا حرفيًا لمصطلح “سجلات الشبكة”، فهي في مجملها لم تخرج عن كونها دفتر يوميات يكتب فيه المدونون مذكراتهم اليومية ذات الطابع الشخصي. أما في المرحلة الثانية فنرى انعطافًا في ماهية المصطلح لتتحول المدونة من مجرد “دفتر يوميات” إلى “صحيفة شخصية” ويتحول المدون من مجرد “مراهق” إلى “صحفي”. ابتداءً من هذه المرحلة تحولت المدونات إلى ما يمكن تسميته بـ “صحافة شعبية” أو “إعلام رجل الشارع”.
هنا ظهر السؤال: المدوَنات، هل تقول الحقيقة؟ بصيغة أخرى: هل يجب على المدونات أن تقول الحقيقة أم تبحث عن الحقيقة؟
ظاهريًا لا يبدو هنالك فرق بين قول الحقيقة والبحث عن الحقيقة. لكن الفارق هو:
أن تقول المدوَنة الحقيقة يعني أن المدون مجبر على التحري بدقة والبحث عن كل التفاصيل ليكون ما يكتبه في مدونته مطابقًا للواقع، ولديه من الأدلة المادية ما يثبت ذلك.
أما أن تبحث المدوَنة عن الحقيقة فذاك بحث مستمر دون إدعاء بامتلاك الحقيقة. بمعنى أن المدون لا يحتاج إلى الأدلة بقدر ما يحتاج إلى الشجاعة. ثم بعد التفاعل بين المدونين وقراء المدونات يتم في كل مرة تصويب مسار البحث عن الحقيقة وإيجاد المزيد من الأدلة التي تدعم وجهات النظر.
رأيي أن المدونات –كونها صوت رجل الشارع وصحافة شعبية مستقلة- لا تحتاج إلى ذات صرامة الإعلام التقليدي، من حيث التحقق من مصدر الخبر. المدون يمكنه أن يكتب شكوكه، وسيكون هناك مدونون آخرون يصوبون له أخطائه أو يؤكدون شكوكه بأدلة مادية.
لنعد إلى قصة (دان راذر): شهر سبتمبر 2004 نشر (راذر) كبير مذيعي شبكة الـ CBS الإخبارية في تقرير له وثائق ذات صلة بخدمة الرئيس بوش العسكرية. صاحب مدونة PowerLine بدت له تلك الوثائق مزورة فكتب عن ذلك في مدونته، وفي غضون ساعات توصل من أحد القراء بوثائق أصلية صادرة عن الحرس الوطني، فقام بنشرها فورًا وتم الكشف عن خطأ الـ CBS.
إذن، لو أن صاحب مدونة PowerLine احتفظ لنفسه بشكوكه حتى يعثر على الأدلة التي تدعمه، هل كان سيتم تصحيح خطأ التقرير؟ الاحتمال ضعيف.
لذلك على المدون أن يبحث عن الحقيقة عبر مدونته من داخل مدونته، وليس خارجها. فليكتب كل ما يفكر فيه، تلك هي الطريقة الوحيدة للتأكد من كل الشكوك.
هنا يبرز سؤال آخر: كيف ستكون مصداقية هذه المدونات؟
رجل الشارع لا يرى كبير فرق بين المدونات والصحف والقنوات الإخبارية، فكلها يمكن أن تقع في ذات الأخطاء، بذات الدرجة. مصداقية مدونة ما تتحقق من مدى شعبية هذه المدونة ومستوى تفاعل كاتب المدونة وزوار المدونة المشاركين في عملية “البحث عن الحقيقة”.


23 نوفمبر 2006 في الساعة 1:33 م
بداية أعترف، أنا جد مقصر في تتبع الجرائد اليومية المغربية ولذلك لمستواها الهزيل ومحتواها الذي لا يشبع حاجياتي. وجدت اليوم في موقع جديد حول المدونات المغربية إشارة إلى حوار مع المدون المغربي المنتمي إلى حزب العدالة والتنمية محمد لشيب، نشر يوم 16/11/2006. تحدث فيه عن مستوى المدونات المغربية وفترة “المراهقة” التي تعيشها. حوار قيم وإن كنت أجد نفسي مضطرًا إلى التنويه بأن محمد لشيب إعتمد في أجوبته على جمل كاملة من مقالي (سلطة التدوين) كما هي. أدري أن تاريخ التدوين تاريخ مشترك ويمكن لأي أحد التحدث عنه، وأعرف أن محمد لشيب أشار إلى اسمي في الحوار حين استشهد بعبارة من مقالي (المدونات، هل تقول الحقيقة؟). لكن أن يستخدم جملا كاملة (أكثر من جملة) كما هي بذات الصياغة دون الإشارة إلى المصدر فأعتقد أن هذا غير لائق. لو أن الحوار تم بشكل مباشر وجها لوجه لمكان قد حدث كل ذاك الاقتباس. عموما، المسألة ليست بأهمية كبيرة، فقط أردت التنويه إليها. …