… وهي بغيري مجنونة! (قصة قصيرة)

الأحد 12 أغسطس 2007 | القسم: منوعات وخواطر |

لم تكن الأجمل. قطعًا ما كانت الأجمل، ولكنها كانت الأشهى. كانت الأبهى. وهذا أمر لا تفسير له، كغرابة صوتها الذي يحدث إضطرابًا كونيًا بكلمة.
أحلام مستغانمي، “عابر سرير”

(1)

- لكن مشاعري لم تصل إلى هذا الحد. يؤسفني أن أقول هذا لكنها الحقيقة. أتفهم مشاعرك وأدري أنها أتت رغمًا عنك. رجاءً (مراد)، دعنا أصدقاء.. أصدقاءً فقط.
- فليكن (منى)، كونه قرارك النهائي فهو يريحني رغم كل شيء.
- (مراد). أرجو أني لم أجرحك.
- لا عليك عزيزتي، هذه هي الحياة.

(2 – من مذكرات علاء)

عاد (ياسر) من كندا –بعد أن أنهى دراسته- ويا ليته لم يعد. عاد (ياسر) وسيتزوج (منى)! لفرط ما تم به الأمر من سرعة أفكر أن ما حدث مجرد كابوس مزعج سأفيق منه بعد قليل. لكنه لم يكن كابوسًا. قطعًا ما كان كابوسًا. الحياة أبشع من أي كابوس وأشنع.

قبل أسبوع أخبرني (مراد) بموعد عودة (ياسر). إتفقنا على إستقباله في المطار في اليوم الموالي. (منى) رفيقة دراستنا في معهد السياحة إقترحت مرافقتنا. سعدت لأمر كنت أتمناه، غير أن (مراد) لم يبدو متحمسًا، وإن لم يظهر ذلك بوضوح. في الغد ذهبنا ثلاثتنا إلى المطار القريب جدًا من المعهد. ويا ليتنا ما فعلنا.

كان عليَّ أن أنتبه إلى نظارات الإعجاب في عين (ياسر) تجاه (منى). كان عليّ أن أفهم سر أسئلته الكثيرة عنها، أنا الذي حسبته يسأل من منطلق الفضول فطفقت أتكلم بحماس عن جمال (منى) عن أخلاق (منى) عن رقة (منى). كان عليّ أن أمسك لساني، لكني ما كنت أحسب لهذا حسابًا.

وصلني الخبر أمس صاعقةً زلزلت كياني. عمليٌ جدًا هذا الفتى. لم يكلف نفسه محادثة (منى) حتى. سأل عنها، تقصى عنها، ثم دخل مباشرة من الباب وتقدم إلى خطبتها من والدها. طلب منه والدها مهلة أيام ليفكر ويتقصى عنه ويسأل الإبنة رأيها. مؤكد أنه سيوافق في النهاية وستوافق (منى). شاب متعلم مثل (ياسر) عائد من فوره من العالم المتقدم، ولديه ميراث ضخم عن والدته، من الصعب جدًا أن يُرفض. بل من المستحيل أن يُرفض في زمن عزوف الشباب عن الزواج.

تزلزل كياني. لم أعد أعرف ما يجب أن أفعل. لم يكن أمامي سوى اللجوء إلى صديقي المقرب (مراد). تفاجأ هو الآخر بقرار (ياسر) الذي لم يحاول إخبار أينا بما ينتويه. لاحظت أيضًا أن دهشته كانت مماثلة حين أخبرته بعشقي، بل بولهي بـ (منى). سألته رأيه ونصيحته. بدا كأنه سيقول شيئًا ثم صمت. يبدو أن الخبر زلزله هو الآخر وإن كنت أستغرب منه كل هذا التأثر.

يا إلهي ما العمل؟ هل ستقبل (منى) بمثل هذا الزواج؟

(3 – من مذكرات منى)

قطعًا لن أقبل. لن أقبل يومًا زواجا سريعًا كهذا. لابد أولا من توافق مسبق بيني ومن سيتقدم لزواجي، ولابد من حب متبادل. فضلا عن ذلك أنا أحب شخصًا آخر. أحب (علاء) بجنون. أعرف أنه هو الآخر يحبني، لكن بصمت. يا ليته يملك بعضًا من شجاعة (مراد) الذي صارحني قبلا بحبه.

أدهشني تصريح (مراد) الهادئ جدًا، وأسعدني. لكنه، في نفس الوقت، أحزنني أيضًا. كنت دومًا أعتبر (مراد) صديقًا عزيزًا وأخًا لم تلده أمي. أحزنني أن أصارحه بمشاعري تجاهه، أن أحبطه. لكن القرار لم يكن بيدي. قلبي كان محجوزًا من قبل لشخص آخر.

الغريب أنني لا أجد الآن غير (مراد) ألجأ إليه. هو صديق مقرب جدًا من (ياسر) كما هو مقرب من (علاء). أعرف أن (مراد) تعرف على فتاة جميلة إسمها (سلمى)، يستحقها حقًا وتستحقه. كما أخبرتني (سلمى) هما قريبًا سيعلنان عن خطبتهما رسميًا. هذا شجعني أكثر على اللجوء إليه والبوح إليه، كأخ أكبر لم أرزق به.

إسقبلني بحبور كما عادته. ودون مقدمات ألقيت كل ما في نفسي دفعة واحدة، ثم إنفجرت باكية. تجمد مندهشًا بعض الوقت، ثم نهض مربتًا على كتفي بحنان أخ تمنيته دومًا. بقي صامتًا فسألته النصيحة. قال بأنه سيتصرف. سألته ماذا سيفعل، فصمت قليلا ثم قال بلهجة عجيبة: من أجلك سأفعل كل شيء. أي شيء.

رباه، إنه لم ينسَ بعد، هو ما زال يُـ …

(4 – من مذكرات مراد)

قطعًا ما زلت أحبها. وهل يمكن نسيان (منى)؟ لم تكن الأجمل. قطعًا ما كانت الأجمل، ولكنها كانت الأشهى. كانت الأبهى. وهذا أمر لا تفسير له، كغرابة صوتها الذي يحدث إضطرابًا كونيًا بكلمة. وكذلك حبي لها أمر لا تفسير له.

إحترمت رغبتها، ولعبت بجدارة الدور الذي أرادته لي كصديق لها وأخ. آلمني ذلك كثيرًا، ربما ما زال يؤلمني، لكني لا أملك أن أجبرها على حبي.

الحب حين يكون من طرف واحد يكون عذابًا مقيمًا دائمًا. لهذا فضلت مصارحتها بحبي لها منذ البداية. أردت أن أحدد موطئ قدمي بدقة، ولم أشأ أن أبقى محلقًا في السماء بانيًا فوق السحاب قصورًا من أحلام. أردت أن أعرف موقفها لأحدد ما إذا كان بإمكاني التمادي حتى النهاية في مشاعري، أو العودة القهقرى مكتفيًا بعلاقة صداقة وصفة أخ.

لم أتوقع أنها كانت تحب أحدًا آنذاك، وتفاجأت حين أفصحت لي مؤخرًا عن حبها لي (علاء) كما فاجأني (علاء) نفسه حين أفصح هو الآخر عن حبه لها. وفوجئت قبل ذلك بما أقدم عليه (ياسر).

أعرف (ياسر) جيدًا، وأعرف عمليته الزائدة عن الحد، لكني لم أتوقع أن يقدم يقدم يومًا على الزواج بهذا الشكل، دون أن يعطي للمرأة التي أراد الإرتباط بها فرصة تعرفه. أيضًا لم أتقبل منه عدم إخباري بما ينتويه، أنا الذي أحسبني صديقه الأقرب هنا. أعرف أن (ياسر) ليس من النوع الذي يقع في الحب بسهولة، وأكاد أجزم أنه لم يحب (منى). هي فقط أعجبته برقتها، وراقته بأخلاقها، ولأنه جاهز ماديًا فلم يجد أن الأمر يتطلب بعض الصبر فتقدم سريعًا لخطبتها.

صارحته بهذا وأخبرته بقصة الحب الصامت بين (منى) و(علاء) كما أخبراني بنفسيهما. أردت أن أحرك مشاعر (ياسر) لعله يتراجع عن قراره. إنتهيت من كلامي الذي أردته أن يبدو كطلب واضح مني إليه بالتراجع عن قراره. صمت ثقيل نزل علينا وطال كثيرًا. ثم أخيرًا إنفرجت شفتاه وقال ببطء …

(5 – من مذكرات ياسر)

سأعود إلى كندا. كذا قررت. وقبل ذلك لي زيارة إلى والد (منى) أوضح له ما إستجد وأعتذر عن سحب طلبي بالزواج. هو أب حنون وسيتفهم موقفي وقطعًا تهمه سعادة إبنته الوحيدة.

قد يبدو موقفي مثاليًا لا واقعيًا ولا يصلح حتى للروايات الرومانسية. لكنه الواقع بكل صدق. حتما (منى) تستحق مثل هذه التضحية. ثم إن موقفي لا يقل مثالية عن موقف (مراد) الذي فهمت منه أنه هو الآخر يعشق (منى). لم أخبر (مراد) أنه كان مخطئًا في توقعه. ربما كنت عمليًا أكثر مما يجب، لكني حقًا أحببت (منى) من النظرة الأولى.

ثمة سحر غريب فيها يجذبك من أول نظرة. أتفهم جيدًا أن يقع (مراد) و(علاء) في حبها. إنها تستحق.

سألت (مراد) عن (سلمى) التي قال بأنه سيتقدم لخطبتها رسميًا بعد أسابيع. قال بأنه يقدرها ويحترمها ويرتاح إليها. هي تحبه وهذا هو الأهم كما قال. كما أنها، كما أفصح، تعرف بأنه كان يحب (منى)، وهو لا يخدعها.

(6 – من مذكرات سلمى)

قطعًا أعرف ذلك. لاحظت من البداية إهتمام (مراد) بـ (منى). آلمني ذلك وندمت على حبي الصامت له. ثم إنتعش الأمل مجددًا في صدري حين إنتبهت إلى نظرات الإعجاب في عيني (منى) تجاه (علاء). لا أنكر أن ذلك أسعدني رغم ما في الأمر من أنانية. هذا يعني أن إحتمال فوز (مراد) بـ (منى) أصبح ضعيفًا.

وتحقق لي ما إشتهيت، بأغرب طريقة ممكنة. ما زلت أحفظ كلامه كلمة كلمة. يدهشني بحق (مراد) دائمًا، برجولته، بحنانه، بصراحته.

(سلمى)، إغفري لي صراحتي لو ضايقتك. ربما لاحظت إهتمامي بـ (منى)، حبي لها لو شئت الدقة. صارحتها بهذا لكنها فضلت أن تبقى علاقتنا في حدود الصداقة. إحترمت رغبتها، لكني سأبقى أحبها كما كنت لفترة طويلة.
أفهم هذا. قلتها له بإستكانة وإستسلام.
لكني أيضًا لاحظت نظراتك إليّ. أنت تحبينني يا فتاة، ولتغفري لي وقاحتي.

لن أكذب عليك. أسعدني ذلك. ربما لن أحبك يومًا كما أحببت (منى)، لكني حتمًا سأقدرك وسأحترمك كما يجب. بنظري أن أرتبط بإمرأة تحبني سيكون أفضل من أرتبط بإمرأة أحبها لكنها لا تحبني.

يا لله على صراحته. أربكني ذلك اليوم وكدت أبكي من كلامه. وقد إزددت تعلقًا به. أوقن أن حبه لـ (منى) لن يُنسى بسهولة، لكني قررت أن أبحث عن طريقة لذلك. ولم أجد طريقة إلا حين عاد صديقه (ياسر) من كندا وتقدم في خطوة مفاجئة لخطبة (منى).

كنت أعلم بحب (منى) لـ (علاء) لكني لم أجرؤ على إخبار (مراد) بذلك. الآن جاءتني الفرصة. ذهبت إلى (منى) وإقترحت عليها بكل براءة أن تستشير (مراد) لعله يجد حلا لإقناع (ياسر) بالعدول عن قراره، أخبرتها أن (مراد) يعتبرها أخته الصغرى، وأخبرتها بموعد خطبتنا. أخبرتها ألا حرج من مصارحته، وقد كان. لم يكن يعنيني أن ينجح (مراد) في إبعاد (ياسر) عن طريق (علاء) و(منى)، قدر ما كان يعنيني أن يعلم بأن (منى) تحب (علاء).

وقد نجحت خطتي. لا أعلم كيف أصبحت مشاعره الآن، لكنه نجح فعلا في محاولته، وقد عاد الآن (ياسر) إلى كندا وتقدم (علاء) رسميًا لخطبة (منى).

الآن حتما سينسى (مراد) أمرها. حتمًا سيفعل. وسأقاتل حتى آخر رمق ليكون لي وحدي.

(7)

لا عليك عزيزتي، هذه هي الحياة.

(تمت)

تدوينات مرتبطة:

  • None

التعليقات:

  1. هلوسات أنثى:

    سردٌ سلس و منمق ..

    بإنتظارك لمعرفة ما سيجري عليهم..

    ع أحر من الجمر =)