نص محاضرة البابا بنديكت

نص المحاضرة التي ألقاها البابا بنديكت السادس عشر بجامعة بون يوم الثلاثاء 12/9/2006. وقد اختصرت المقدمة وبعض التفاصيل بداخلها وفي الخاتمة لعدم تعلقها بالموضوع؛ وفيها يروي البابا بدء علاقته بجامعة بون (ألمانيا) عام 1959 أستاذا للاهوت الكاثوليكي. وفي الجامعة المذكورة كليتان إحداهما للاهوت الكاثوليكي والأخرى للاهوت البروتستانتي. وقد انشغل البابا في التمهيد للمحاضرة بالعلاقة مع الزملاء البروتستانت في ذلك الزمان.

المصدر: جريدة المستقبل اللبنانية، العدد 2388، (النسخة الالكترونية: Page19.pdf)

“إن اللقاء بين الإيمان الإنجيلي والفلسفة الإغريقية كان على قدر كبير من الأهمية ليس من جهة موقف تاريخ الأديان، بل ومن جهة التاريخ العالمي”.

* * *

… تذكرت ذلك العهد (بالتدريس والنقاش) بين الزملاء قبل فترة، عندما كنت أقرأ نشرة البروفسور (عادل) تيودور خوري (من جامعة مونستر) لقسم من حوار (ربما جرى عام 1391 في الثكنات العسكرية الشتوية على مقربة من أنقرة) بين الإمبراطور (البيزنطي) العالم مانويل الثاني باليولوغوس، ومثقف فارسي (مسلم) في موضوع المسيحية والإسلام، والحقيقة المتضمنة في كل منهما. وربما كان الإمبراطور نفسه هو الذي سجل ذلك الحوار خلال حصار القسطنطينية بين العامين 1394 و1402، وهذا ربما يعلل سبب ذكر حججه بالتفصيل، دونما اهتمام لافت بإجابات العالم الفارسي. والحوار يتوسع إلى ما وراء حدود البنى العقدية في الإنجيل والقرآن، ليركز بخاصة على صورة الله والإنسان، راجعا عندما يكون ذلك ضروريا، إلى العلائق بين “الشرائع الثلاث”: العهد القديم والعهد الجديد والقرآن.

في هذه المحاضرة أريد أن أناقش نقطة واحدة ـ ربما كانت هامشية في الحوار المذكور نفسه ـ هي سياقات علاقة “الإيمان والعقل” وقد وجدت أنه من الممكن أن يكون ذلك السياق الحواري مفيدا في تأملاتي حول المسألة.

في المحادثة السابعة (من الجدال…) والتي نشرها البروفسور خوري، يعالج الإمبراطور موضوع الجهاد (الحرب المقدسة). ومن المؤكد أن الإمبراطور كان يعرف الآية القرآنية (2:256) والتي تقرر أنه “لا إكراه في الدين”. وسورة البقرة هذه إحدى السور القرآنية المبكرة، عندما كان (النبي) محمد ما يزال بدون قوة ونفوذ، وواقعا تحت التهديد، لكن من الطبيعي أن يكون الإمبراطور عارفا بالتعاليم الإسلامية التي تطورت فيما بعد وسجلها القرآن، بشأن الحرب… وبدون مقدمات تفصيلية حول الفروق في التعامل مع “أهل الكتاب” والآخرين “المشركين”، يلتفت الإمبراطور إلى محاوره بشكل مفاجئ وقاس طارحا السؤال الأساسي في العلاقة بين الدين والعنف بشكل عام؛ يقول الإمبراطور: “أرني ما هو الجديد الذي أتى به محمد، وسوف تجد أشياء كلها شريرة وغير إنسانية، من مثل أمره بنشر الدين بالسيف”.

ثم يمضي الإمبراطور شارحا بالتفصيل الأسباب التي تجعل من نشر الإيمان بالعنف تصرفا غير عقلاني، لا يتفق العنف مع الطبيعة الإلهية، ولا مع طبيعة الروح: “لا يحب الله سفك الدم، والتصرف غير العقلاني مُناقض لطبيعة الله”. فالإيمان يبزغ من الروح وليس من الجسد، بيد أن الذين يريدون نشر الإيمان، “يحتاجون إلى قدرة على الحديث الجيد، والتأمل بعقل، وبدون عنف وتهديدات… ومن أجل إقناع روح عاقلة، لا يحتاج المرء إلى ذراع قوية، ولا إلى سلاح من أي نوع، كما لا يحتاج إلى تهديد أي شخص بالموت…”.

إن الحجة البارزة في هذا الجدال ضد الإرغام على الإيمان أن الداعية الذي يتصرف بخلاف العقل، إنما يتصرف بخلاف طبيعة الله. ويلاحظ البروفسور خوري معلقا: بالنسبة للإمبراطور البيزنطي ذي الثقافة الفلسفية الإغريقية؛ فإن هذا الأمر بديهي. أما في تعاليم الإسلام فإن الله سبحانه متعال علوا مطلقا، كما أن إرادته ليست مقيدة أو متعلقة بأي مبدأ آخر بما في ذلك مقاييس العقل نفسه. وهنا عاد خوري للاقتباس من دارس فرنسي معروف للإسلاميات هو روجيه أرنالديز ذكر عن ابن حزم (الأندلسي) أن الأخير ذهب بعيدا في (تنزيه) الله إلى حدود القول إن الله سبحانه ليس مقيدا حتى بكلمته (أي بوعده ووعيده)، وليس هناك ما يوجب عليه حتى إنزال الوحي وإرسال النبيين، وهو عز وجل إن شاء، وبمقتضى هذا الفهم، فقد تكون عبادة الأوثان داخلة ضمن المشيئة الإلهية.

إن التحدي الذي واجه اللاهوتيين القدامى، وهو ما يزال يواجهنا حتى اليوم: هل الاعتقاد بأن العمل غير العقلاني يناقض طبيعة الله هو مجرد فكرة إغريقية أو أنها حقا وواقعا صحيحة دائما، وأنا أرى أنه في هذه المسألة بالذات يمكن الوصول إلى وجود تناغم بين القناعة الإغريقية والفهم الإنجيلي للإيمان بالله. وإذا عدنا إلى الجملة الأولى في سفر التكوين بحسب يوحنا نجد (في البدء كانت الكلمة “اللوغوس”، وكان الكلمة الله): فالله يعمل باللوغوس واللوغوس يعني العقل والكلمة.. وهو العقل القادر على التواصل، التواصل بذاته باعتباره عقلا. وهكذا فان يوحنا قال القول النهائي في الفهم الإنجيلي لله، وفي هذه المقولة تتلاقى كل خيوط وخطوط الإيمان الإنجيلي.

يقول يوحنا الرسول أنه في البدء كان اللوغوس، واللوغوس هو الله، وهذا اللقاء بين الرسالة الإنجيلية والفكر الإغريقي ما حدث بالمصادفة. ففي رؤيا بولس الرسول بعد أن وجد طرق آسيا مسدودة، أن إنسانا مقدونيا أتاه في المنام وقال له: “تعال إلى مقدونيا وساعدنا”! وقد عنت تلك الرؤيا أن هناك ضرورة للتقارب بين الإيمان الإنجيلي والتساؤل الإغريقي. وفي الواقع فإن ذلك التقارب كان جاريا منذ بعض الوقت، فاسم الله، الذي تجلى من شجرة العليق المشتعلة، يفترق عن سائر التأليهات الأخرى مهما اختلفت أساميها. إنه هو، هكذا ببساطة.

وهذا تحد لمصطلح الميث (الأسطورة) الذي حاول سقراط اختراقه، والتسامي فوقه في قياس مقارب. وفي العهد القديم اكتملت العملية التي بدأت في العليقة المشتعلة، خلال السبي، الذي عنى تجردا عن الأرض والمعبودات، حيث هو الله رب السموات والأرض: أنا الله، وهذا الفهم الجديد الخالص لله ترافق مع قدر من التنوير، الذي وجد تعبيره الخاص والقوي بالتبرؤ من الآلهة الأخرى، التي هي من صناعة البشر… وقد حدث بذلك التلاقي النهائي بين إله الإنجيل، والفكر الإغريقي الراقي؛ فكان ذلك الإثراء المتبادل في أدب الحكمة المتأخر…

(ويفضل البابا هنا في حيثيات اللقاء بل والتطابق في الترجمة الإسكندرانية للعهد القديم إلى الإغريقية).. وصولا للإمبراطور مانويل الثاني وجدلياته، والذي صار قادرا على القول: إن لم تعمل بحسب “اللوغوس” فإن ذلك مخالف لطبيعة الله (عز وجل).

إن الذي أريد تقريره بكل أمانة هنا أننا نجد اتجاهات في لاهوت العصور الوسطى تتنكر لهذا الامتزاج أو التلاقي بين الروح الإغريقي والروح المسيحي. فبخلاف العقلانية التي عرفها أوغسطين وتوماس، ظهر أناس مثل دونز سكوتوس ينصرون إرادوية تقول إننا لا نستطيع معرفة الله إلا بالإدراك المباشر أو الغريزة. ذلك أن حرية الله تقع فيما وراء أو فوق ذلك، حيث قد تكون أفعال الله مناقضة لكل ما سبق أن فعله! وهذا التوجه يبلغ آفاقا تشبه تلك التي تحدث عنها أو تصورها ابن حزم (يسميه البابا دائما خلال محاضرته: ابن حزن)، وهي صورة تجيز على الله سبحانه أن يفعل ما قد لا يتفق والخير والحقيقة. فتعالي الله وغيريته المطلقة هما من السموق، بحيث إن عقلنا أو إدراكنا للحق أو للخير لا يعودان مرآة لله، الذي يبقى جل وعلا غير مدرك خلف غاياته الفعلية. وبخلاف ذلك، فإن إيمان الكنيسة ظل يؤكد دائما أنه بين الله والإنسان بين الخالق الأبدي وعقلنا المخلوق، هناك دائما قياس حقيقي. وبحسب هذا التوجه فإن الاختلاف أو اللااشتراك يبقى قائما، ولكن ليس إلى حدود إلغاء القياس ولغته. إن الله سبحانه لا يصير مقدسا أكثر، إذا أبعدناه عنا في إرادوية مفرطة.

فالله هو الوجود الذي يفصح عن نفسه باعتباره لوغوس وهو باعتباره كذلك يتقبلنا بحب: ولا شك أن الحب “يتفوق” على المعرفة. ولذلك فهو قادر على التحقق أكثر من تفكيرنا نفسه. وهكذا فالإيمان المسيحي هو في تناغم مع الكلمة الأبدية ومع عقولنا.

إن هذا اللقاء بين الإيمان الإنجيلي والفلسفة الإغريقية، كان على قدر كبير من الأهمية ليس من جهة موقف تاريخ الأديان، بل ومن جهة التاريخ العالمي. وهو أمر ما يزال يهمنا حتى اليوم. وبالنظر لهذا المشيج فإن المسيحية بالرغم من أصولها وتطورها البارز في المشرق، اتخذت سيرها ومصيرها وطبيعتها في أوروبا. ونحن نستطيع أن نعبر عن ذلك بأن هذا المشيج، مضافا إليه الميراث الروماني، صنع أوروبا، وهو يبقى التأسيس الذي يعبر بالكامل عن الذات الأوروبية. وهذه المقولة التي تذهب إلى أن الميراث الإغريقي المصفى يشكل جزءا جوهريا من الإيمان المسيحي تصادمه عمليات “نزع الهلْيَنة” عن المسيحية، وهي العملية التي سيطرت في النقاشات اللاهوتية منذ بدء الأزمنة الحديثة.

ويمكن تتبع العملية المذكورة وقسمتها إلى ثلاث مراحل، تترابط فيما بينها، لكنها تظل ممكنة التمييز والتمايز في الدوافع والأهداف.

بدأت المرحلة الأولى من عمليات “نزع الهلْينة” في زمن الإصلاح بالقرن السادس عشر. وقد نظر الإصلاحيون في التقليد اللاهوتي السكولائي فوجدوه مرتبطا تماما بالفلسفة. ورأوا أن نظام الإيمان هذا ارتبط بمقولات فكرية غريبة عنه. وقد بحث هؤلاء عن الأصل الطهوري للإيمان المسيحي كما يوجد أو يدرك في الكلمة الإنجيلية. فالميتافيزيقا بحسب هذا الإدراك بدت فكرة مسبقة مأخوذة من مصدر آخر، ويكون على الإصلاح أن ينحيها عن المصدر الإلهي وكلمة الله بحيث تعبر الكلمة عن نفسها. وعندما قال عمانوئيل كانط إنه مضطر لوضع الفكر جانبا ليفسح المجال للإيمان، فإنه كان يضع برنامجا راديكاليا، ما رأى الإصلاحيون أنفسهم آفاقه الشاسعة.

لقد وضع الإيمان في العقل العملي، منكرا علاقته بالواقع بشكل عام.

وجاءت المرحلة الثانية في القرنين التاسع عشر والعشرين. ومفكرها الأبرز هو أدولف فون هارناك وتلامذته الكبار. وعندما كنت طالبا في سنوات الشباب كان هذا النوع من اللاهوت مؤثرا أيضا في الكاثوليكية. وقد اتخذت العملية في هذه المرحلة منطلقا من كلام باسكال الذي أقام تمييزا كبيرا بين إله الفلاسفة، وإله إبراهيم وإسحاق ويعقوب. وقد كانت محاضرتي الأولى بجامعة بون عام 1959 عن هذا التطور. ولا أريد العودة هنا لتلك التفاصيل. لكنني أريد أن أنبه إلى ما هو الجديد في تلك المرحلة من “نزع الهلينة”. كان قصد هارناك العودة إلى رسالة المسيح خالية من تعقيدات اللاهوت، ومن الهيللينية: إن الرسالة الأولى للمسيح ـ بحسب هذا الإدراك ـ هي ذروة التطور الديني للبشرية. فقد وضع المسيح نهاية للاهوت العبادة لصالح الأخلاق. وفي المحصلة فإن المسيح هو أبو الرسالة الأخلاقية الإنسانية. لقد كان المراد التوفيق بين المسيحية المحررة من العناصر الفلسفية واللاهوتية ذات الطابع الفلسفي، لتقع في تناغم مع الإيمان بالمسيح وألوهيته والثالوث الإلهي. وبذلك فإن الطريقة التفسيرية التاريخية النقدية للعهد الجديد أعادت للاهوت مكانته بالجامعة. فاللاهوت ـ عند هارناك ـ شديد الأهمية من الناحية التاريخية، ولذلك يجب أن يبقى “علميا” ومن خلف هذا الإدراك أو هذا الفهم يبرز التحديد المحدث للعقل والعقلانية كما عبر كانط في نقداته. لكنه ازداد حدة بالتدريج بسبب تأثير العلوم الطبيعية. ذلك أن المفهوم الحديث للعقل يجمع بين عنصرين: الأفلوطينية والتجريبية. وهي مقولة سادت في عصر التصنيع. وقد ترتبت على هذا التفسير نتيجتان: كل موضوع يخضع للرياضيات وللعناصر التجريبية هو موضوع علمي. والنتيجة الثانية أن هذا النزع للغطاء الفلسفي يتجاهل الله ويتجاهل الأخلاق، وما عادت العلوم الحديثة بناء على هذه النظرة ترتبط بذلك.

… ولننظر قبل الخاتمة في التطور الثالث وتطورات “نزع الهلينة” والذي يجري اليوم. في المرحلة الأولى قيل إن الهلينة هي مرحلة ينبغي تجاوزها، وفي المرحلة الثانية قيل بضرورة العودة للرسالة الصافية والبسيطة للمسيح وتجربته. وكلتا النقطتين تستحق نقاشا حاميا. فالعهد الجديد كتب باليونانية، ويحمل الروح اليونانية. والتصغير من هذا الأمر أو ذاك باسم العودة للعهدين من جانب المسيحيين يفقد المسيحية روحها الباحثة، وقدرتها حتى على اعتناق الحداثة.

ولنصل إلى الخاتمة. إن نقد العقل الحديث لا ينبغي أن يفهم باعتباره عودة إلى الوراء، إلى ما قبل عصر التنوير، ورفض منجزات الحداثة. فنحن نقر بمنجزات العلوم المتطورة وما جلبته للبشرية من خير وتقدم. وهكذا فلا ينبغي فهم دعوتنا باعتبارها أثرا من الماضي، بل هي سبيل من سبل العقل وكيفية وضعه موضع الحياة العملية. وفي الوقت الذي نقر فيه بإنجازات الحداثة ونقدر خدماتها للإنسانية، نرى الأخطار الصادرة عن المرجع ذاته، كما نرى أملا كبيرا في إمكانيات المراجعة والتفسير.

لا بد أن نستشرف حماسا أكبر في الخروج من التلقائيات والإرادويات، وإلا ضرب الدين، وضربت المعاني العميقة المرتبطة به. والذين كانوا يتجاوزون هم الذين عادوا يقرون بأن الدين ضروري اليوم. وقد رأى الغربيون من قبل أن العقل العملي والأشكال الفلسفية المبنية عليه هي الظاهرة العلمية من غير منازع. والذين يرون أن العقل ينبغي أن يعمى ويضعون الدين بمنزلة الثقافات الشعبية هؤلاء لا يستطيعون ممارسة حوار الثقافات. إن العقل العلمي الحديث يكون عليه أن يقبل البنى العقلانية الموضوعة للتراتبية بين العقل والإيمان، بين الروح والدين والله.

وأريد هنا أن أذكر بما قاله سقراط لفيدون، وكانت عدة مقولات خاطئة قد مرت في بداية حديثهما: سهل على أي أحد سمع مقولات فاسدة إلى هذا الحد، أن يبقى طيلة حياته لا داريا ويسخر من الآخرين، لكنه يكون حينها قد حرم نفسه من سؤال حقيقة الوجود، وسيقاسي في حياته كثيرا من وجوه سوء الفهم والتقصير. ولقد ظل الغرب طويلا يتجنب فعلا الكثير من الأسئلة الأساسية، تارة بحجة أنها ليست غربية، وطورا بأنها غربية أكثر من اللازم: وأن تتصرف بخلاف العقل بحسب مانويل الثاني ـ يعني أنك تتصرف بخلاف طبيعة الله. فلنقبل على الحوار وستظهر المشكلات تباعا، ويمكن البحث عن علاجات رحبة ومشتركة لها، دونما إزعاج.

وسوم: , , ,

التعليقات 14 على “نص محاضرة البابا بنديكت”

  1. د سفيان علق:

    مشكور أخي. وأريد أن أقول “اللعنة على البابا”

  2. م.س. احجيوج علق:

    سفيان، هل قرأت النص كاملا؟ ما الذي ترفضه في كلام بابا الفاتيكان، وكيف يمكنك تفنيد تلك الإدعاءات؟

    دعنا جميعا نستفيد من المناقشة.

  3. د سفيان علق:

    لم أقرأها كاملة ولكن ما فهمته هو أن “البابا” يقول كل هذا ويسترجع التاريخ بدون سبب أو ربما يخاف من شيئ ما !! والله أعلم. وأنه يعطي صورة بشعة عن الإسلام, وعن رسول الله (صلى الله عليه وسلم). ويحاول أن يقول أن ماكان يقوم به (صلى الله عليه وسلم) لم يكن أمرا من الله. يعني أنه يشوه الإسلام بطريقة غير مباشرة. ولا حول ولا قوة إلى بالله.
    ومشكور أخي على التفاعل.

  4. م.س. احجيوج علق:

    ما أراه هو أن خلفية البابا عن الإسلام هزيلة جدًا، وربما منعدمة. هو لم يقل شيئًا عن الإسلام، لا خيرًا ولا شرًا، إنما هو اكتفى بالاقتباس من اللآخرين: مرة من الإمبراطور البزنطي ومرة من تعليقات تيودور خوري حول ما كتبه الإمبراطور. وهنا نلاحظ أن البابا لا يعلق على ما يقتبسه، بل يسكت عن ذلك.. والمبرر هنا غامض بعض الشيء.

    فضلا عن هذا أرى أن متن المحاضرة بعيد تماما عن الإسلام، فالمحاضرة تتحدث عن العقل والإيمان والعهد الجديد والعلمانية. أما الفقرة الاستهلالية المتحاملة على الإسلام التي أوردها البابا، فهي محض حشو كان يمكن الابتعاد عنه. وهذا يعني شيئين: إما أن نية البابا سيئة، أي أنه كان قاصدًا الإساءة إلى الإسلام. وإما أن البابا كتب المحاضرة بسرعة دون كبير تمحيص أو إستعداد، وربما يكون هناك من كتبها له دون أن يراجعها جيدًا!

    من ثمة فإن ما يطالب به علماء المسلمين البابا من إعتذار عن الإساءة و حذف تلك الفقرات أمر مقبول. لكنه في نظري ليس أمرًا ذو بال، فلو أننا سننشغل بمطالبة كل من يكتب شيئًا عن الإسلام بحذف إساءاته سوف لن نجد وقتًا حتى لإقامات الصلوات الخمس!

  5. جُحَا.كُمْ علق:

    العزيز أحجيوج
    لم يقحم البابا فقرة الامبراطور اعتباطا أو حشوا، والدليل هو أنه اتخذها ركيزة ليعود مرتين إليها: مرة في منتصف المحاضرة ومرة ثالثة في آخرها حيث قفل بها استنتاجه الذي لخص به الثيمة الرئيسية للمحاضرة وأيضا لكي يلخص قناعته الشخصية.
    تحياتي
    جُحَا.كُمْ

  6. م.س. احجيوج علق:

    العزيز جحاكم،

    قصدت بأن الفقرة تلك حشو زائد من منطلق أنها لم تخدم كثيرًا ما أراد البابا شرحه. الفقرة جاءت مخلوعة عن سياقها وغير متضمنة لموقف الطرف الآخر. الأستاذ عادل تيودور نفسه أبدى امتعاضه من اقتباس البابا لتلك الفقرة بذاك الشكل المجتزأ.

    هناك نصوص تاريخية أكثر أهمية من كتاب الإمبراطور ذاك، وكان يمكن أن تخدم موقف البابا أكثر من الفقرة التي ارتكز عليها، لكنه لم يفعل. لذلك تساءلت إذا ما كان البابا قد قصد الإساءة أم هناك لجنة خاصة في الفاتيكان كتبت له المحاضرة!

  7. حسناء علق:

    تعرفون امرا؟ المد الإسلامي في المانيا بدا يتسع بشكل ملفت للنظر, ترى لماذا المانيا بالذات؟و لماذا الاسلام بالظبط و في هذه الفترة؟ ان هذه المحاضرة علمية جدا لذالك لا يمكن اعتبار ان هناك جزء او كلمة او حتى حرف غير مقصود. القصد و النية واضحين جدا و هي نية مبيتة ضد الاسلام و نبيه خصوصا و المشكلة ان الارادة السياسة تتدخل لتغير من توجه الكنيسة بعيدا عن الدين فهل الدول الانكلو-صهيونية علاقة بالموضوع؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

  8. عبد الحميد الهرامة علق:

    أرغب دائما باتباع المبدأ الإسلامي “وجادلهم بالتي هي أحسن”وبالحوار العقلي المطلوب في هذا المبدأ “قل هاتوا برهانكم”لأن التزام ذلك مع الصدق في أي حوار يجعل الباطل ضعيفاً بلا معاناة، ولو وقفنا عند قول الباباإن” سورة البقرة هذه إحدى السور المبكرة عندما كان النبي محمد ما يزال بدون قوة ونفوذ وواقعا تحت التهديد” لوجدنا أن توضيح مثل هذه المغالطة كفيل بإساط تلك المزاعم علميا، فسورة البقرة وإن جاءت للقارئ غير العارف بالإسلام في أول المصحف هي من السور المدنية التي نزلت في السنوات العشر الأخيرة من حياة الرسول(صلى الله عليه وسلم)وهو في أعز قوته.ولكنه بعيد عن الظلم ولإكراه بموجب تلك القوة.
    والحديث عن الجوانب الأخرى في القرآن سهل الدحض لو وجدالإنسان متسعاً للقول. مع الشكر لصاحب المبادرة على اطلاعنا على هذه النص الذي لا علاج له إلا بفتح أبواب التفاهم والاحترام بين الأديان.

  9. عبد الحميد الهرامة علق:

    أقول إن الهفوات الأخرى في المحاضرة التي تناولت النبي والقرآن وغيرها من الهجمات التي صرنا نسمعها هذه الأيام ميسورة الرد على المسلم المطلع على كتاب الله وسيرة رسوله ،والقرآن نص مساعد لكل من أراد الحقيقة فهو واضح العبارة خال من التهويمات ينزه الله عن الظلم بما لم نشهده في كتاب غيره ، ويفتح الأمل للقلوب المؤمنة من كل الأجناس لتعرف الحقيقة، ولن يستطيع الباطل أن يحجبها طويلا في عالم عولمة المعرفة، وليس من صالح أحد أن ينتصر الباطل لأن ذلك يضره بالدرجة الأولى قبل غيره.
    وأردت بهذا أن أصحح أن جوانب أخرى في المحاضرة سهلة الدحض وليس في القرآن كما كتب سهوا.

  10. عبد الحميد الهرامة علق:

    المقالة السادسة
    حدود مشروعية القتال في الإسلام

    الرد على من يتهم الإسلام بالعنف ينطلق من بيان ماذا عند الإسلام في هذا الشأن وعليه نعتذر لصاحب الموقع على الإطالة التالية:
    عرفنا من القرآن المجيد أن قتل النفس الواحدة يساوي في الجريمة قتل الناس جميعاً،وهو من الكبائر التي لا يرضاها الله لعباده ، فكيف يكون القتال مشروعاً في الإسلام وفيه إزهاق لنفوس عديدة ؟ وما حدود تلك المشروعية إذا وُجدت؟وهل القتال مرادف للجهاد في سبيل الله لدى المسلمين؟
    والجواب أن القتال لا يكون مشروعاً في الإسلام إلا لدفع الظلم الواضح ، وبقدر دفع المظلمة تكون حدوده المشروعة ، وقد جاء الإذن للمسلمين بالقتال مُسَبَّباً بذلك ،حيث قال تعالى ( أُذِن للذي يقاتلون بأنهم ظُلموا وإن الله على نصرهم لقدير) ، وإذا تحقق الإذن جاز ردُّ العدوان ، ولكن بما لا يتجاوز المثل، فلا إسراف في القتل ولا تمثيل بعده، قال سبحانه: ” فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين ” ، وقد توافقت النصوص والأفعال على مبدأ أخلاقي سابق لقوانين الأخلاق الحربية المعاصرة، أساسه:” لا عدوان إلا على الظالمين ” . وإنَّ أشد سور القرآن الكريم على الكفار وهي (سورة براءة ) لم تخرج عن هذه القاعدة ، ولكنها شديدة على الذين قال الله فيهم “إن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلاً ولا ذمة ” أما غيرهم فلا، فهي شديدة على المشركين المحاربين والناكثين للعهود ،وليس على المسالمين والمعاهدين والآمنين ، يقول تعالى: ( إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحداً فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين” وقد سوَّغ الله تلك الشدة على المشركين الناكثين بثلاثة أسباب قوية حين قال: ” ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم .وهموا بإخراج الرسول. وهم بدءوكم أول مرة ” ، فهل يلام من يحارب قوماً نقضوا عهده، وحاولوا إخراجه من بلاده بالقوة، وبدءوه بالحرب؟.
    وعلى ذلك فإن المسلم لا يبدأ بالعدوان ، وهو مطالب قبل ردِّه باللجوء إلى الحكمة والموعظة الحسنة ، وبالمجادلة بالتي هي أحسن ، فإذا اضطره العدو إلى غير ذلك من أسباب الدفاع قاوم ببسالة حتى يرد المظلمة ، وينصف المظلوم، بغير تمادٍ أو تجاوزٍ لحدود ردَّة الفعل استجابة لقوله تعالى:” فاعتدوا عليهم بمثل ما اعتدوا عليكم “. أما ما يمكن أخذه من المظالم بالسلم فأخذه به أوجب، واللجوء إليه أولى.ما لم يكن في ذلك خديعة مبيتة تظهر لهم أطرافها، وهو أمر يقدره الذين يستنبطون الأمور منهم ويقررون بشأنه ما يلزم.
    فإذا رأيت بعد ذلك آيةً في الأمر بالقتال والتحريض عليه ،فهي في هذا السياق تُساق ، انظر إلى قوله تعالى: ” فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرِّض المؤمنين” تجدها مذيلة بعلةِ ورودها في قوله الكريم ” عسى الله أن يكفَّ بأسَ الذين كفروا ” فهي تصوِّر بأساً من الكافرين يتعرض له المسلمون ، ويحرضهم القرآن على مقاومته ،وإيقاف هذا البأس هدف مشروع ، فإن توقف ذلك العدوان جاء الأمر بالسلم : ” وإذا جنحوا للسلم فاجنح لها” ، والله يرى في عدم الجنوح للسلم في هذه الحالة اتباعاً لخطوات الشيطان المعروف بعدائه للمسلم ، قال تعالى.(يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة و لا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين) ، فهل يحق بعد ذلك لأحد أن يأخذ من عبارة “حرِّض المؤمنين ” ما يفيد أن الدين الإسلامي دين تحريض على العنف؟
    لقد سبق أن وَجَّه الدكتور الألماني جرهارد تشيسني(Gerhard Szezeny) واحداً وثلاثين سؤالا إلى المختصين في الأديان العالمية المعروفة في هذا العصر، ونشرها في كتابه(إجابات الأديان)، وأجاب الدكتور ليوبود فايس الذي أسلم و سمى نفسه (محمد أسد) عن تلك الأسئلة من الجانب الإسلامي ، وترجم الدكتور حمدي زقزوق إجابات الدكتور أسد في كتابه (الإسلام في مرآة الغرب) أورد فيه ما يتعلق بالحرب في الإسلام فقال:” والحرب في الإسلام محكومة بقواعد حددها القرآن ، فالحرب العدوانية محرمة على المسلمين، ومبررات الحرب تنحصر في حالة الدفاع ، وحالة نكث العهود، وظهور بوادر الخيانة. وفي حالة الدفاع يُحرِّم الإسلام تجاوز الحدود الكافية لرد العدوان كما في الآية :”وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين” ثم جاء بآيات أخرى لتأكيد المعنى نفسه، وقال:” وإن لجأ العدو إلى السلام فعلى المسلمين أن يقبلوا به، وهذه الحدود تمثل مفهوماً حضارياً راقياً جداً يتناقض مع ما يردده المستشرقون من أن مفهوم الجهاد مفهوم عدواني ، وأن الدعوة إلى الجهاد هي دعوة إلى الاعتداء على الآخرين”وقال : ” أما الحرب في حالة نكث العهود وظهور بوادر الخيانة فإن الإسلام يضع لها حدوداً كما في الآية ” وإما تخافنَّ من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين) ،وكما في قوله تعالى ” وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون ” ومعنى ذلك أنه لا يجوز مفاجأة العدو بالحرب لمجرد السماع بخيانته ، بل لا بد من إنذاره حتى يأخذ حذره ويراجع موقفه.
    أما الحالة الثالثة التي يبيح فيها الإسلام الحرب فهي حالة وجود اعتبارات تتعلق بسلامة الدولة ، والقضاء على الفتنة” ويستدل عليها بقوله تعالى”وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله ، فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين” وقال:” ولم تتجاوز حروب الرسول  هذه الحالات “.
    فإذا وجدت أمراً بالقتال في القرآن فستجد حتماً سبباً في مشروعيته كامناً في رد الظلم والعدوان . والسورة التي تجتمع فيها تلك الأوامر هي سورة البقرة التي جاء فيها: ” وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ، واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشدُّ من القتل ، ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه، فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين . فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم . وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله، فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين ، الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم، واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين ” وهو يُظهر بوضوح لا لبس فيه، وبعبارات غنية عن التفسير أن تلك الأوامر مرتبطة بردِّ العدوان ، مشدودة الجماح بالتقوى وعدم الاعتداء ، ومحدودة بأزمنة معينة ، ومذيلة بأن الله لا يحب المعتدين ، ولا عدوان إلا على الظالمين.
    وفي السورة نفسها والسياق ذاته يأتي قوله تعالى :”فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيُقتل أو يَغلب فسوف نؤتيه أجراً عظيما ” إذ جاء التوضيح في الآية التالية معللا هذه الدعوة للقتال برفع الظلم على المستضعفين في صورة تساؤل يقول: ” وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال النساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصير ا” .
    وليس في قوله تعالى ” قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرَّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أُوتوا الكتاب ” ليس في ذلك من خروج عن القاعدة السابقة للمتأمل في مجمل الآيات القرآنية ،فهو لا يتحدث عن مسالمين ولا معاهدين، ولكنه يتحدث عن ناكثي عهد غدروا ووفى غيرهم، فسَلِم من وفَّى وحاق بالغادر الجزاء المناسب ، إذ لا يجوز قتال المسالم والمعاهد مطلقًا، بحكم مجموع آيات القرآن وصحيح السنة، ولا البدء بالعدوان على كلِّ الناس.
    فالقتال لا يكون مشروعًا إلا إذا كان ملتزما بالشروط السابقة ، وتحت رقابة الله المفهومة من تذييل هذه الآية بقوله جل شأنه ” وأعلموا أن الله سميع بصير”. وعندما يكون القتال مستوفياً لشروطه في رد العدوان ونصرة المستضعفين ، ويكون خالياً من حب الانتقام والسعي من أجل الدنيا ، ومقتصراً على كفِّ أهلِ العدوان عن عدوانهم فإنه يصبح مشروعاً في كل الشرائع العادلة، بل يصبح واجباً على الإنسان تحت هذه القيود وفي حدودها .
    ومصداق ذلك في السيرة النبوية أن معظم غزوات النبي وأهمها كانت حول المدينة المنورة ودفاعاً عنها ، نذكر من ذلك بدراً ،وأُحداً، والخندق ،وهي أهمها، وحين خرج رسول الله من دائرة الدفاع متوجهاً إلى مكة صرح في الحديبية بأمور مهمة ،منها أنه لم يأتِ إلى مكة محارباً ولكنه جاء معتمرًا ، وأنه لا يريد من قريش إلا أن تخلي بينه وبين الناس، أي أن تسمح له بتبليغ الدعوة التي أُمر بتبليغها، وأن قريشاً لا تقترح عليه صلحاً يحفظ صلة الرحم دون مساس بالقيم الفاضلة إلا قبله، وفي ذلك يقول ” إنا لم نجئ لقتال أحد ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشاً قد نهكتهم الحرب، وأضرَّت بهم فإن شاءوا ماددتهم مدة، ويخلوا بيني وبين الناس ، فإنْ أظهرْ فإنْ شاءوا أنْ يدخلوا فيما دخلَ فيه الناس فعلوا، و إلا فقد جموا، وإن هم أبوا فو الذي نفسي بيده لأقاتلنَّهم على أمري هذا حتى تنفردَ سالفتي وليُنْفِذَنَّ اللهُ أمرَه ” وفي هذا الحديث يقول: “والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها “.
    وكان هذا المبدأ في أعين الفاتحين المسلمين الذين كانت دوافعهم هي الوصول إلى الناس وتبليغهم الدعوة دون المساس بأموالهم أو إجبارهم على تغيير عقائدهم، فإن فعل أحدهم غير هذا ــ وهو في حكم النادر ــ فلا يعبر إلا عن سياسته ورأيه الشخصي، وقد عوتب بعض القادة على تجاوزهم من قِبل الخلفاء والقضاة في مخالفات أقل من تغيير العقيدة، وقصص المرأة التي أُخذ بيتها ، و الشاب الذي سابق ابن عمر بن العاص في مصر، و القاضي المسلم الذي أخرج الجيش الإسلامي من مدينة في ما وراء النهر مشهورة في تاريخ الإسلام، وهي وأمثالها دالة على أن الدول الملتزمة بالإسلام تقف بالمرصاد للظالمين حتى بعد الخلافة الراشدة.
    ولقد كنا نودُّ ألا يركز المؤرخون على الغزوات، فهي ليست سوى استثناء أمام القاعدة العامة في حياة الرسول التي هي الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ، ولكننا نجد بعضهم يسمي سيرة الرسول بالمغازي، وهم يعلمون أن المعارك التي شارك فيها الرسول ـ عليه السلام ـ لم تزد في حياته كلها عن أيام معدودة مقابل سنوات الدعوة الثلاثة والعشرين، وهو لم يقاتل فيها إلا رداً على ظلم سابق، وأن القتلى في كل هذه المعارك من المسلمين وغيرهم لا يزيدون عن بضع مئات بحال، في ظروف دفاعية تضامنت فيها أحزاب الكفر للقضاء على هذا الدين في مهده، وهذا العدد مع ذلك لا يكاد يذكر في ملاحم التاريخ ومواجهة أخطارها.
    والذي لا شك فيه أن الإسلام قد انتشر بالسلم وانكمش في وقت المعارك ، بحيث زاد أضعاف عدده بعد صلح الحديبية. فكيف تُقارن السنوات التي قضاها الرسول في الدعوة بساعات المعارك التي ركَّز عليها كُتَّاب السير؟ والسر يكمن في أنَّ التاريخ القديم بعامة كان يهتم بتوثيق المعارك، ويهتم بما يرغب فيه العامة من الحديث عن البطولات الحربية، ويبالغ في أرقامها، ويمر سريعا على غيرها من الأحداث السلمية وتفاصيل الحياة اليومية، ولولا العوض الذي نجده في القرآن الكريم والسنة النبوية لضاع الكثير من تلك التفاصيل من كتب السير والتاريخ.
    استشكالات وردود:
    ثم ترد أسئلة تساق كثيراً من غير المسلمين في هذا الصدد، ومنها: ألم يأمركم الله بالجهاد وهو قتال ديني؟ وكيف تردون على القول بأن الإسلام انتشر بالسيف؟ وما شأن الجزية التي تأخذونها من غير المسلمين في الدولة الإسلامية؟
    وللجواب عن هذه الأسئلة نُذكِّر بأن الجهاد في سبيل الله نوعان : جهاد أكبر ، وهو جهاد النفس عند إقبالها على المعاصي بمحاولة ردِّها عن ذلك. وجهاد أصغر وهو القتال المشروع الذي تحدثنا عنه سابقاً وفق شروطه المقبولة في كل الشرائع الإلهية والأعراف الإنسانية.
    أما فرض الدين بالقتال وانتشاره بالسيف فليس وارداً في الإسلام مطلقاً، وللبرهنة على ذلك نستدعي بعض الآيات القرآنية الآتية التي هي نصوصٌ من كتابٍ مقدسٍ واجبِ التنفيذ من قِبَلِ كلِّ مسلم عارف بأحكام دينه، وليست دعايةً سياسيةً تتغير بتغير الظروف والمستجدات :
    “1 ـ قال تعالى : ولو شاءَ ربُّك لآمنَ من في الأرض كلُّهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين” ؟ وهو ما يعنى عدم جواز الإكراه، فكيف يجوز انتشار الإسلام بالسيف إذا كان ذلك مخالفاً لنص القرآن؟ وهل يجرؤ مسلم مستقيم على مخالفة القرآن في نص قطعي كهذا؟
    2 ـ قال تعالى :”لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ” . فهل يمكن للرسول أو للمؤمنين بعد هذا النص الصريح أن يُكْرِهواْ أحداً على الإسلام ؟ ليس لهم أن يفعلوا ذلك ،ولا يستطيعونه لسبب يسير، هو أن العقيدة لا تُفرض من الخارج بالسلاح، كما لا يمكن أن تُشترى القلوب بالمال، فقد يُغير الإنسان بالسلاح من كلامه أو سلوكه إذعاناً لك، أو تغريه بالمال فيطيعك ظاهراً، لكنك لا يمكن أن تغير ما في قلبه بهاتين الوسيلتين، وهذا مفهوم قوله تعالى” إنك لا تهدي من أحببتَ ولكنَّ اللهَ يهدي من يشاءُ وهو أعلم بالمهتدين” وقوله سبحانه ” لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم” فالمعتقدات وأسرار القلوب لا تشتريها الأموال ولا تغيرها السيوف.
    3 ـ وقال تعالى :” فذكِّر إنما أنت مذكرٌ لست عليهم بمسيطر إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم” أي لست عليهم بمتسلط جبار، وهو ما يعني أن مهمة الرسول هي التذكير وليست السيطرة والإكراه، أما مهمة عقاب الكافر أو العفو عنه فموكولة لله ،إليه مرجعهم وعليه حسابهم، وليس على الرسول أو على المسلمين، وهو ما يبدو جلياً في الفقرتين الثانية والثالثة .
    4ـ وقال تعالى ” نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبَّار فذكِّر بالقرآن من يخاف وعيد” وفيه تحديد لمهمة الرسول  في التذكير بالقرآن، و نفيٌ لأنْ يكون جباراً يقود الناس بالسيف إلى ما يريد منهم من الإيمان. كيف وهو غير مخول بغير الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة،وعلى الله الهداية :” قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا ” ؟.
    5ـ وقال تعالى:”وقل الحقُّ من ربكم فمن شاءَ فليؤمنْ ومن شاءَ فليكفرْ إنا أعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها” وهو يعني التخيير لا الإجبار في اتباع الإيمان أو الكفر، وأن أمر الحساب موكول إلى الله وليس للنبي أو للمسلمين.
    6 ـ وقال تعالى :”فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إنْ عليك إلا البلاغ ” وقال سبحانه” فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن ، وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد” .فهل بعد هذا الحصر لمهمة الرسول في التبليغ من حديث عن الإكراه على دخول الإسلام؟
    7ـ وقال تعالى ” ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء، وما تنفقوا من خير فلأنفسكم ، وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون” هذه إحدى آيات القرآن العظيمة، وقد يتساءل قارئها عن علاقة الهداية بالإنفاق، والجواب أن المسلمين في أول الدعوة كانوا يرون قصر الإنفاق على فقراء المسلمين رغبة في إسلام فقراء أهل الكتاب والمشركين، فنزلت الآية تقول للرسول: ليس عليك الهداية ، فلا تحبس نفقتك على هؤلاء من أجلها،فأنت إنما تنفق ابتغاء وجه الله وهم خلقه. فأمر رسول الله  المسلمين منذ ذلك الحين بالإنفاق على السائل الفقير من كلِّ ملة دون نظر إلى هدايته من عدمها .
    8 ـ وقال تعالى: “ولو شاء ربك ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظاً وما أنت عليهم بوكيل .ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم ،كذلك زيَّنا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون” وفي ذلك إعلام للرسول بحدود وظيفته التبليغية ، فهو ليس حفيظاً ولا وكيلا على المشركين ، والمسلمون منهيون عن مجرد سبِّ غير المسلمين فضلاً عن حربهم أو إرهابهم، والأمر موكول إلى الله في هدايتهم أو شركهم ، وثوابهم أو عقابهم ، وليس بعد ذلك من توضيح أو تفصيل .
    وعليه فإن التوجه الإسلامي في العلاقات مع أصحاب الديانات الأخرى هو المفاصلة والاحترام والمعاملة بالمثل، قال تعالى: ” لكم دينكم ولي دين” ، أما تطبيقه في واقع السيرة النبوية فهو عدم محاربة الرسول للمسالمين من النصارى واليهود في المدينة أو خارجها،وقد صلى نصارى نجران في مسجده صلاتهم بدون إذنه، فلم يؤذهم برغم عدم رضا المسلمين على الطريقة الاستفزازية التي سلكوها،ولم يجبرهم على الدخول في الإسلام بالرغم من تمكنه منهم .
    ومات  واليهود في المدينة تحت إمرته،لم يطرد المسالمين منهم،وصالح المناوئين، ، ولم يفرض الإسلام ولا الجزية على يهود المدينة حين دخلها سلماً، فلا كلام عن الجزية في صحيفة المدينة لأنها تنص على المشاركة في حمايتها، وقد قضى بينهم وبين بعض المسلمين فَعَدل منفِّذاً بذلك أمر الله فيهم حين قال:” وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأُمرتُ لأعدل بينكم، الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ” وقد أرضاهم إحساناً إليهم فوق العدل .
    ولم يحارب الرسول  غير أولئك الذين بدأُوه بالتآمر أو العدوان ، ومع ذلك فإن رغبته كانت في صلحهم لا في حربهم ما وجد إلى ذلك سبيلا، وهو ما جرى في صلح الحديبية، وصلح خيبر، بالرغم مما حصل من القرشيين واليهود له  ، وقد جمع بعض الباحثين المعاصرين سبعين آيةً مُنع فيها الرسول من القتال ، فهل تبقى بعد هذا دعوى بأن الإسلام انتشر بالسيف؟ أو أن الجهاد سيفٌ مسلط على رقاب غير المسلمين؟
    نعم إن الذين يتجاهلون هذه الحقائق يواصلون هذه الدعاوى الباطلة ومنهم ماكدونالد فيما كتبه بدائرة المعارف الإسلامية حين قال :” إن نشرَ الإسلام بالسيف فرضُ كفاية على المسلمين كافة” وقال جون هيجل ” كان الإسلام دائما وسيبقى دين السيف لأنه لا يمكن العثور على أيِّ فكرة للحب في القرآن” وهذه الفكرة التي نفاها هي الرحمة المهداة إلى البشرية في قوله تعالى :”وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”، وقد عبر القرآن عنها بألفاظ البر والمحبة والمودة والألفة وغيرها . ويكفي أن هذه المحبة التي نفاها جون هيجل يأمرنا بها الله صراحة تجاه غير المسلمين في قوله الحكيم : “لا ينهاكمُ اللهُ عنِ الذينَ لم يقاتلوكم في الدينِ ولم يخرجوكُم من دياركُم أنْ تبرُّوهم وتُقسِطُوا إليهم” ” إذ إن أبرز معاني البر في المعاجم العربية هو المودة والعدل والإحسان . أما المسلمون فأساس إيمانهم محبة لله التي تفيض على كل مخلوقاته قال تعالى :” ولكنَّ الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم ” بل إنها أساس اتباعهم لرسول الله في دعوته ، قال تعالى: ” قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم” ، فكيف ينفي عن هذا الدين فكرة المحبة وهي الدافع وراء نبذ الظلم عن جميع الكائنات، ولا توجد عقيدة في الكون أحرص على ذلك من الإسلام ؟ والناظر في الشواهد التي أوردناها يقرأ ذلك بكل وضوح ،ولكن صدق الله حين قال:”فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور” .
    هذا. وإن الأمر بالسلم مع الذين لم يحاربوا المسلمين لا يقتصر على أهل الكتاب ، فهو يشمل أولئك الذين لا يرجون لقاء أيام الله ، حيث يطلب الله من المسلمين أن يغفروا لهم هفواتهم، وأن يتركوا جزاءهم إليه سبحانه :”قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوماً بما كانوا يكسبون” .وقد وجه الله لرسوله أمراً صريحاً بعدم التعرض للكافرين بالأذى وبعدم طاعتهم في كفرهم ، جاء في ذلك في قوله تعالى “و لا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا” ويقول له في آية أخرى ليس لك أن تتعرض إليهم فالله سيتكفل بذلك “ليقطع طرفاً من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين ـ ليس لك من الأمر شيءـ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون” فالظلم وحده ليس دافعاً لقتالهم ، إذ يمكن تفاديه إذا لم يكن مباشراً، ويمكن تغيير سلوك الظلمة بالكلمة الطيبة، والدعوة إلى الله .
    ولذلك توالت في القرآن عبارات توضح الوظيفة الأساسية للرسول وهي التبليغ والإنذار وليس القتال ونشر الدعوة بالسيف، مثل قوله تعالى”إنما أنت منذرٌ ولكلِّ قومٍ هاد” ،وقوله تعالى: “إنك لا تهدي من أحببتَ ولكنَّ الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين” ، ومنها وهي كثيرة :”ما على الرسول إلا البلاغ” ـ ” فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين” ـ ” إن هو إلا نذير مبين” ـ “فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب” ” ـ “فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين” ـ “وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيرا” “ـ ” إنما أُمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من المسلمين وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضلَّ فقل إنما أنا من المنذرين” ” ـ ” يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيرا” ” ـ ” إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد” ـ إن أنت إلا نذير” ـ ” قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد القهار” ” وهو في ذلك لا يختلف عن سائر الأنبياء الذين أرسلوا هداة مبشرين ومنذرين قال تعالى” قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إليَّ وما أنا إلا نذير مبين” وقال جل جلاله ” فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ؟” .
    فإن قلتَ: فما بال المسلمين يطلبون الجزية ممن لا يريد أن يدخل في الإسلام من المحاربين؟ ولماذا جاءت في كتابهم آية تقول “حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهُمْ صَاغرون” ؟ قلتُ : إنَّ المسلمين كانوا يودُّون أن تُطلبَ منهم هذه الجزية حين غُلبوا على أَمرهم، ولا يُرغمون على تغيير دينهم، أو الخروج من ديارهم. أو حين يبادون بالموت بسبب عقيدتهم، كما فعل أعداؤهم معهم ،ابتداء من قريش في عهد الرسول ، وكما فعل اليهود في فلسطين والصرب في البوسنة في القرن العشرين قرن حقوق الإنسان، وكما فُعِلَ بالمسلمين قبلهم في الأندلس وصقلية، وقد طردهم المتعصبون،مع أنهم مواطنون أمثالهم يحملون ألقابهم وجنسياتهم،فقتلوهم أو أخرجوهم من ديارهم لأنهم مسلمون ، فما ضرر الجزية مقارنة بكل ذلك؟
    ومع ذلك .. ما الجزية؟
    الجزية ضريبة يدفعها المواطنون غير المسلمين للدولة المسلمة مرة واحدة في السنة ، مقابل إعفائهم من الخدمة العسكرية، ونظير كفالة المحتاجين منهم ومن غيرهم ،ونظير خدماتها المختلفة التي منها تحقيق الأمن ، وتوفير القضاء العادل، وخدمة البريد والعناية بالمدن .قال الخليفة عمر بن الخطاب ” والله لو عثرت بغلة في العراق لخشيت أن أُسأل عنها يوم القيامة لماذا لم أمهد لها الطريق؟” فكيف بمسؤوليته عن الإنسان من كلِّ ملة داخل هذه الدولة؟
    ومعروف أن النساء والصبيان ورجال الدين، وغير القادرين على الجزية من سائر الرجال معفَون منها جميعاً، وتتفاوت نسبتها بين القادرين بحسب قدرتهم. فهل من الغرابة في شيء وضع ضريبةٍ على المواطنين القادرين مالياً على دفعها لأيِّ دولة قديمة أو حديثة، في مقابل حفظ أنفسهم وأهليهم وكرامتهم وأموالهم وحرية معتقداتهم؟ وهذا ما فعله الدولة الإسلامية، فإذا لم تتمكن الدولة من حمايتهم سقط وجوب الجزية على دافعيها، وكذا إذا أدوا الخدمة العسكرية للدولة ، ولهم في حال العجز والكبر جرايةٌ من بيت المال تحفظ كرامتهم، فإن آذى أحد المسلمين معاهداً فالرسول خصمه يوم القيامة،وفي ذلك يقول :” أَلاَ من ظَلَمَ معاهدًا، أو انتقصه، أو كلَّفه فوق طاقته، أو أخذَ منه شيئا بغيرِ طيبِ نفسٍ، فأناَ حجيجُهُ يوم القيامة” . فمَنْ من المسلمين يرضى أن يحاجج رسول الله يوم القيامة في مظلمة كهذه؟
    والمراد بقوله تعالى: “عن يدٍ وهم صاغرون ” ليست الإهانة والاحتقار ، ولكن المراد أن تُؤخذ هذه الضريبة على أنها واجبٌ مُلزم ، وليست من قبيل التفضل والامتنان والصدقة منهم على الدولة ، حتى يكون هذا الشعور واضحاً عند الأخذ لدى المعطي والجابي ، وذلك لأن معطي المال يشعر عند عطائه عادةً بالامتنان والتعالي لكونه صاحب اليد العليا ، وأن الآخذ صاحب اليد السفلى ، فأوضحت الآية أن أداء هذا الواجب لا يقبل المماطلة ولا التعالي والامتنان، شأنُه شأنُ الزكاة في أنه من حقوق الله في أيدي الناس ، أو ما يعرف اليوم بحقوق السيادة للدولة،ويؤيد هذا المعنى من فسَّر الصغار هنا بالتسليم وإلقاء السلاح ، والخضوع للدولة الإسلامية .
    والقاعدة العامة للتعامل مع أهل الكتاب بخاصة ، والناس بعامة ، هي الحوار بالتي هي أحسن ،والبحث عن جوانب التقريب والتواصل عبر خيوط العلاقات الإنسانية الحسنة، تطبيقاً لقوله تعالى:”ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن” ، أما القاعدة في القتال فمنظور إليها في إطار عدم الاعتداء ، وأن يكون القتال محكوماً بقواعد الشرع الآمرة بالعدل ، والناهية عن كلِّ أشكال الظلم والعدوان:” ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين” .
    و كان الرسول  قد وضع قواعد أخلاقية للقتال في حالة الاضطرار إليه، منها قوله : ” لا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا … الحديث” ومنها :”يسِّروا ولا تعسروا وبشروا، أو قال سكِّنوا ولا تنفروا”. .”ونهى عن التحريق بالنار، وقتل الصبر، وقتل النساء، وضربهن ، وعن النهب ، وإهلاك الحرث والنسل ، وقال عند فتح مكة :” لا تجهز على جريح ولا تتبعن مدبرًا و لا تقتلنَّ أسيراً” وقال “من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة ، وإن ريحها لتوجد من مسيرة أربعين عاما ” .
    ولو تتبعنا عددَ القتلى في جميع الغزوات والسرايا التي دارت في تاريخ الإسلام في حياة الرسول لوجدناه محدوداً جدًا من المسلمين ومن غيرهم ،إذ لا يتجاوز عددهم جميعاً المئات ،في معارك كان المسلمون فيها في حالة دفاع عن النفس، فهل توجد مقارنة بينه وبين قتلى معركة واحدة من المعارك الحربية المشهورة في تاريخ البشر ؟ بله المعارك التي حوَّلت مجرى ذلك التاريخ .
    ولكن هل سألنا أنفسنا بعد كلِّ هذا ماذا يريد الذين يتهمون الإسلام بالعنف؟ والذين يجعلون لفظ الجهاد مرادفاً للإرهاب؟ إنني لا أجد إلا جوابين ، فإما أنهم لم يطالعوا كل هذه الحقائق عن الإسلام فهم معذورون بعدم معرفتهم لرسالتنا، وعلينا أن نبلغهم الرسالة. وإما أنهم يريدون استغلالنا دون أية مقاومة، ويرون في الجهاد حائلا دون تحقيق تلك الغاية بروحه الصامدة في مقاومة الظلم ، ذلك الظلم الذي لا يرضونه لأنفسهم لو كانوا في موقع المظلوم.ولن يجدوا مسلماً يفتيهم في إلغاء فريضة الجهاد على هذا النحو الذي تقدم ، وهو القبول بالظلم والامتناع عن الدفاع عن النفس، بل لا يجدون هذه الفتوى عند أيِّ عاقل من غير المسلمين. وقد حكى القرآن عن حالة مشابهة دعا فيها الله أهل الكتاب إلى القتال دفاعاً عن أنفسهم فلم يترددوا في الموافقة على مثل هذا القتال المشروع، ولكنهم تولوا رهباً واقتنعوا منطقاً : “قال هل عسيتم إن كُتب عليكم القتال ألا تقاتلوا، قالوا وما لنا ألاَّ نقاتلَ في سبيلِ اللهِ وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلاً منهم والله عليم بالظالمين” .
    والخلاصة أن المشروعية الوحيدة للمقاومة المسلحة في الإسلام هي رد الظلم بلا زيادة ولا اعتداء. فهل يمكن أن يُسوِّغ ذلك للمسلم قتل الأبرياء في أيِّ مكان من العالم، بمن فيهم الذين قُتلوا في الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001 في نيويورك ، وفيهم أعراق وأديان مختلفة منها المسلمون وغيرهم؟ وكذلك الذين ماتوا في أنفاق إسبانيا ولندن من عامة الناس وأبريائهم؟وهم الذين استغلهم الإعلام المعادي لتشويه الإسلام في حملة عالمية مشبوهة. لا شك أن المتتبع لما ذكرناه عن مشروعية القتال في الإسلام يستبعد بدرجة الاستحالة أن يكون الإسلام على اختلاف مذاهبه، ودرجات تطرف أتباعه وراء مثل هذه الأحداث، فابحثوا عن أسبابٍ أخرى في هذا العالم المفعم بالأغراض السياسية والعنصرية والاقتصادية المتعددة، وستجدون أن وراء هذه الأحداث أغراضاً دنيوية تخدمها دوائرُ عالمية مجرمة يهمها الإساءة إلى الإسلام ،أو لأسباب سياسية واقتصادية مهمة أخرى. فإذا صحَّ استخدامها لبعض الأسماء الإسلامية فالمؤكد أنه لا صلة لهم بموضوع الدين غير صلة الاسم والجنسية ،ولعل التاريخ يكشف الحقيقة يوماً ما، فإن لم يكشفها فهي عند الله جلية، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلبٍ ينقلبون.
    محاكمة الإسلام من خلال تاريخ المسلمين
    أما بعد العصر النبوي فقد حاول الفاتحون الأوائل التقيد بتعاليم الإسلام في فتوحاتهم فلم يُرغِموا الناس على الدخول في الإسلام، والدليل على ذلك وجود ديانات مختلفة في البلدان المفتوحة كالشام والعراق ومصر ، وتوالى هذا التقليد بحرية الأديان طيلة عصور الحضارة الإسلامية، بل إن أصحاب الديانات الأخرى في هذه البلدان المفتوحة أكثر أحياناً من الدول التي لم تفتح كأندونيسيا والمالديف وسائر الجزر، وأطراف الدولة الإسلامية التي دخلها الإسلام عن طريق التجارة.
    وهذا لا ينفي وقوع حروب سياسية في تاريخ الدول الإسلامية المتوالية حتى بين المسلمين أنفسهم ، وهناك بعض التصرفات الفردية التي وقف ضدها بعض الخلفاء وعدد من القضاة.ولكن متى كانت تصرفات الدول أو الأفراد من أيِّ ديانة محسوبة كلها على دينهم ؟ وإذا كان ذلك كذلك ، فهل تحسب الحرب العالمية الأولى والثانية، والحروب الأهلية في أوروبا على المسيحية؟ وهل تحسب حتى الحروب الصليبية على سيدنا عيسى عليه السلام ؟ أم تحسب جرائم الصهيونية من طرد الفلسطينيين وقتلهم وملاحقتهم في داخل فلسطين وخارجها على نبي الله موسى عليه السلام وديانته؟ وحيث لم يقل بذلك أحدٌ ، فلا يجوز أن تحسب أية مخالفة ارتكبها أفراد أو قادة من الدول الإسلامية على الإسلام. وفي كل الأحوال فإن الدول الإسلامية المتوالية على اختلافها في التدين كانت ملتزمة بالتسامح غالباً مع أصحاب الديانات الأخرى أكثر من أي عقيدة أخرى ، وذلك ما شهد به غير المسلمين أنفسهم.

  11. عبد الجبار علق:

    ان البابا لم يأتي بجديد فماذكره موجود في آيات القرآن الكريم إقرأ القرآن جيداً وستجدون ان ماذكره البابا صحيح وموجود في القرآن
    كفى ان نخبئ روؤسنا في التراب مثل النعام

  12. الكل علق:

    أينك يا أمير المِؤمنين المعتصم أينك يا هارون الرشيد أينك يا قطز أينك يا صلاح الدين كيف تنام أمة يهان بين ظهرانها الإسلام وأحب الخلق عند الله محمد صلى الله عليه وسلم طبيعي مادمنا نجري وراء الغرب اقل شيئ نعاقب به المعتدين و هو قطع منتجات الغرب لم نفلح فيه ولكن للبيت رب يحميه

  13. عبد الحميد علق:

    ملاحظات
    على محاضرة البابا وتعديلاتها

    ألقى البابا بنديكت السادس عشر محاضرته الشهيرة بجامعة بون يوم 12. 9 .2006 فلقيت شجباً كبيراً من العالم الإسلامي لما فيها من حملة ظالمة على الإسلام ونبيه،وقد تم الرد عليها لتصحيح بعض المعلومات على في قنوات ثقافية متعددة ، ثم كتب البابا تعديلات في موقع الفاتكان على الإنترنت استهلها بعبارة تستحق التقدير هي أنه يتفهم موقف المسلمين الغاضب من المحاضرة، وهي عبارة جديرة بالتنويه والثناء، لأن بغض أبناء جلدتنا حمل على موقف المسلمين واعتبره غير حضاري بالرغم من أنه في مجموعه خال من العنف والتطرف ، وطلب بعضهم من هذه الجماهير أن تحلل المحاضرة علمياً ليكون ردها لائقا، وفاتته أهمية الرد العفوي السريع في التعبير عن حساسية الموضوع وشعور الجموع بالانتماء، وأهمية انتشار الرد الشعبي للتعبير عن الوحدة الدينية للعالم الإسلامي، على أن يتولى خاصة المسلمين مهمة الرد العلمي والحوار الفكري، ولعل هذه المقالة تعطي للقارئ فكرة على المحاضرة وتعديلاتها .
    1 ـ يقول البابا: إن سورة البقرة التي جاءت فيها الآية القرآنية ” لا إكراه في الدين” هي ” إحدى السور القرآنية المبكرة عندما كان النبي ما يزال بدون قوة ونفوذ وواقعاً تحت التهديد ، لكن من الطبيعي أن يكون الإمبراطور عارفاً بالتعاليم الإسلامية التي تطورت فيما بعد وسجلها القرآن الكريم بشأن الحرب”
    وهذه معلومة مخطئة يسوقها البابا لأن سورة البقرة كلَّها ـ وبما فيها هذه الآية ـ سورةٌ مدنية ، ورقم نزولها هو 87 ، أي أنها نزلت في أخريات حياة الرسول (صلى الله عليه وسلم) وهو عزيزٌ مهاب ، وليست من بواكير القرآن ، وكنا نحسن الظن بالبابا فنقول إنه نظر إلى ترتيبها في المصحف فقطع أولاً أنها من السور المبكرة،لكن ما جاء في التعديلات من أنها سورة مكية مبكرة في حياة الرسول فقد أساء إلى مصداقيته ،لأن كون هذه السورة كلها مدنية ثابت بأدلة قاطعة، ولا أحد يقول إن هذه السورة مكية، ليس فقط من قبل مصادر علوم القرآن ، ولكن باستقراء الإشارات التاريخية والأحكام التي نزلت فيها كفرضية الصوم بعد الهجرة ،وتفصيل أحكام الحج ، وكتبديل القبلة من بيت المقدس إلى البيت الحرام يتأكد أن السورة مدنية، ولا احتمال آخر يناقض هذا الاحتمال حتى يمكن الترجيح بينها كما يفهم من تعديل الفاتيكان .
    ولما كان الداعي للقول بأن سورة البقرة مكية و مبكرة في حياة الرسول هو وجود آية ” لا إكراه في الدين” التي تنفي نظرية انتشار الإسلام بالسيف فإننا نسوق أدلة أخرى مشابهة لها وردت في سور مدنية أخرى تؤكد حقيقة عدم الإكراه في الإسلام،أو تدعو إلى السلم، أو تؤكد أن مهمة النبي هي الإبلاغ والإنذار والتبشير وليس الجبر على اعتناق الدين، ومن هذه السور المدنية سورة آل عمران التي ورد فيها قوله تعالى : ” وقل للذين أُوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد ” ، وفي سورة الأحزاب المدنية جاء قوله تعالى”ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله” أي لا تُطعهم ولا تؤذهم. وورد في سورة الأنفال المدنية قوله تعالى:”وإذا جنحوا للسلم فاجنح لها” ، والحجة القاطعة في هذا السياق أن أكثر الآيات دعما لفكرة عدم الإكراه في الدين نزلت في أواخر سنوات حياة الرسول ضمن سورة الممتحنة، وفيها يقول الله تعالى” لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم ” إذ من أبرز معاني البر في المعاجم العربية هو المودة والعدل والإحسان، وهذه أقوى الأدلة على عدم جواز حرب المسالمين، فلا عدوان في الإسلام إلا على الظالمين. فأين هي التغييرات التي حدثت في أحكام الحرب في آخر حياة الرسول؟ ولو شئنا أن نأتي بالآيات التي تقصر نهمة الرسول على التبليغ لاستغرق ذلك حيزا كبيرا، وهو موزع بين السور المكية والمدنية.
    2 ـ ينقل البابا عن الإمبراطور قوله في حواره مع الفارسي المسلم “ومن أجل إقناع روح عاقلة لا يحتاج المرء إلى ذراع قوية ولا إلى سلاح من أي نوع كما لا يحتاج إلى تهديد أي شخص بالموت” وهذا هو رأي الإسلام وليس حجة ضده،ذلك أن نشر الدين بالحكمة والموعظة الحسنة هو أول المبادئ القرآنية ، ولها أساس في الديانات الإلهية السابقة بلا ريب ، ولكنها أوضح ما تكون في القرآن الكريم، وآياته في هذا المعنى كثيرة تنفي على الإسلام صفة الإكراه .
    3 ـ ينقل البابا عن البروفسور عادل خوري قوله:” أما في تعاليم الإسلام فإن الله متعال علواً مطلقاً،كما أن إرادته ليست مقيدة أو متعلقة بأي مبدأ آخر بما في ذلك مقاييس العقل نفسه “وجاء في استشهاد آخر أن ابن حزم ذهب إلى أن الله ” ليس مقيدا بكلمته (أي بوعده ووعيده)” وينهي اقتباسه بالقول:” وبمقتضى هذا الفهم فقد تكون عبادة الأوثان داخلة ضمن المشيئة الإلهية”
    وبقدر استغرابنا من محاولة التخفِّي وراء نصوص الآخرين لا يمكن أن يخفى تبني البابا لهذه النصوص على من له مبادئ الخوض في البحث العلمي، وذلك أنه لم يسق النصوص للرد عليها ولكن لتدعم أفكاره حول ما قدمه عن التعاليم اللاحقة بشأن الحرب في الإسلام. والقول بعلو الله المطلق في الإسلام هو ضد الضعة ، و للسمو بالذات الإلهية عن منطق المشركين،وفي ذلك يقول سبحانه” فتعالى الله عما يشركون” ولكن هذا السمو لا ينفي أنه قريب من عباده مجيب لدعائهم، وأن من صفاته تعالى أنه “ودودٌ، ولطيف، وحليم، وكريم، وغفور، ورحمن، ورحيم، ورؤوف، ووهاب، وشكور”فهل تتناسب هذه الصفات مع التعالي بمعنى الغرور الذي فهمه المتحدث ” سبحان الله عما يصفون” ؟
    إن المحاضرة تنقل عن ابن حزم المسلم أنه يضع الله في صورة” تجيز على الله سبحانه أن يفعل مالا يتفق مع الخير والحقيقة” .وإنك لتعجب أن يصدر هذا عن موحد ،فهل يقول الله تعالى” افعلوا الخير لعلكم ترحمون ” ثم يجيز لنفسه أن يفعل ما لا يتفق مع الخير ؟! . ولسنا بصدد الدفاع عن نص لم نقرأه من كلام ابن حزم ، ولكننا أمام نصوص قرآنية كثيرة تناقض هذه الصورة التي وضعتها المحاضرة لله، فهي تنزهه عن الظلم ومخالفة الحقيقة في مثل قوله الحكيم :” ولا يظلم ربُّك أحدا” وقوله في بيان مهمة الرسل ” وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات ” فهل يوحي لهم فعل الخيرات ثم يجيز لنفسه ما لا يتفق معها؟ وهل يقول الله : ” ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون” ويقول :” فماذا بعد الحق إلا الضلال ” ثم يجيز لنفسه مناقضة الحقيقة ؟ تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا.
    ولقد أورد الله صيغ الحق في سياق المدح ما يقرب من 290 مرة ، وليس من المصادفة أن الله أورد صيغ الظلم في سياق الذم نحواً من 290 مرة، ونزه نفسه عن الظلم في 28سورة من سور القرآن الكريم. فهل يجيز الله لنفسه بعد ذلك أن يفعل ما لا يتفق مع الخير والحق والعدل؟ كيف واسمه الحق ، وهو الذي ” خلق السماوات والأرض بالحق”؟ “فتعالى الله الملك الحق” عما يصفون.
    أما قوله ” وليس هناك ما يوجب عليه حتى إنزال الوحي وإرسال النبيين ” فجوابه قوله تعالى” وما كُنَّا معذبين حتى نبعث رسولا”فالله قد ألزم نفسه بذلك التزاماً ذاتياً بإرسال الرسل وإنزال الوحي عليهم بما لا يقبل الجدل، وعبر عنه في آيات أخرى بألفاظ مثل ” كتب على نفسه الرحمة ” وبعث الرسول ” رحمة للعالمين “ولم يوجب عليه أحدٌ شيئاً مثل هذا الأمر، وفرق في الفضيلة بين الإلزام والالتزام.
    4 ـ ومن الغرائب أن يقول المحاضر:” قد تكون عبادة الأوثان داخلة ضمن المشيئة الإلهية “. إذ ليس على الأرض ديانة إلهية إلا قامت على توضيح المشيئة الإلهية في إنكار عبادة الأوثان ، ولكنها في الإسلام أوضح وأظهر، لأنه جاء في بيئة تعتمد عبادة الأوثان فركز على تحطيمها في العقول وفي الواقع، ولا تشابه صورة الرسول في تحطيم الأصنام إلا صورة النبي إبراهيم عليه السلام الذي حطم الأوثان وأشاد بفعله القرآن الكريم. فلماذا نجد مثل هذه المغالطة عن الإسلام بين أصحاب الديانات الإلهية ؟ وكأن القرآن لم يقل صراحة ” فاجتنبوا الرجس من الأوثان ” أو لم يأتِ في كتابه العزيز قوله :”أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ” فهل تتناقض إرادته وأمره؟
    5 ـ والزعم بأن إرادة الله ليس مقيدة حتى بوعده ينقضه القرآن الكريم في آيات كثيرة وصريحة، منها قوله تعالى ” فلا تحسبنَّ الله مخلف وعده رسله” وقوله تعالى ” ولن يخلف الله وعده” وقوله تعالى ” إن الله لا يخلف الميعاد” وقوله عز وجل ” وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون” والأمثلة على ذلك كثيرة، ولكن أقواها قوله تعالى: ” ومن أوفى بعهده من الله” ؟ فهل بقي لذلك الزعم بقية مصداقية؟

    وهكذا فإن الحجج الدامغة التي ترد ما ورد في المحاضرة كثيرة ولا سبيل إلى نفضها، ولكن رد الجماهير على عفويته أسرع وأقوى في تنبيه العالم إلى خطأ يحتاج إلى التصحيح في العلاقات الإنسانية بين شعوب الأرض، وينبغي تداركه وتجنب تكراره إذا شئنا للعلاقات بين الأديان والثقافات وأتباعها أن تنمو في وئام وسلام.

  14. oma nawar علق:

    le pape est un malhonete qui ne sais rien
    c’est une abomination de parler de la sorte d’une sacrifice religion